ذو العقل ، هو الذي يرى الخلق ظاهرا ويرى الحق باطنا ، فيكون الحق عنده مرآة للخلق لاحتجاب المرآة بالصورة الظاهرة فيه احتجاب المطلق بالمقيّد .
ذو العين ، هو الذي يرى الحق ظاهرا والخلق باطنا ، فيكون الخلق عنده مرآة الحق ، لظهور الحق عنده واختفاء الخلق فيه اختفاء المرآة بالصورة .
ذو العقل والعين ، هو الذي يرى الحق في الخلق والخلق في الحق ، ولا يحتجب بأحدهما عن الآخر ، بل يرى الوجود الواحد بعينه حقّا من وجه ، وخلقا من وجه ، فلا يحتجب بالكثرة عن شهود الوجه الواحد الأحد ، ولا يزاحم في شهوده كثرة المظاهر ، أحديّة الذات التي يتجلَّى فيها ، ولا يحتجب بأحديّة وجه الحق عن شهود الكثرة الخلقيّة ، ولا يزاحم في شهوده أحديّة الذات المتجلَّية في المجالي كثرتها ( 55 ) .
والحقّ أن هذا نظر شريف وتقسيم لطيف حسن ، وإلى المراتب الثلاث أشار العارف ( محيي الدين العربي ) نظما وهو قوله :
ففي الخلق عين الحق إن كنت ذا عين
وفي الحق عين الخلق إن كنت ذا عقل
وإن كنت ذا عين وعقل فما ترى
سوى عين شيء واحد فيه بالشكل
( 56 ) هذا آخر ما أردنا إيراده من بحث التأويل وتعريفه وبحث كيفيّة القراءة بالنسبة إلى الكتاب الآفاقي والكتاب الأنفسي والجامع بينهما الذي هو القرآن ، وبحث الأسباب لهذه القراءة ، من التقوى والرياضة والهداية الحاصلة منهما ، وحيث تحقق هذا ، فلنشرع في الوجه الثاني ، وبحث وجوب هذا التأويل وهو هذا :
هامش
( 55 ) قوله : أشار الشيخ الكامل كمال الدين عبد الرزاق ، أشار به في رسالة الاصطلاحات المطبوعة في حاشية شرح منازل السائرين ص 179 .
( 56 ) قوله : ففي الخلق عين الحق إن كنت عين الخ .
من أشعار صاحب الفتوحات ، الفتوحات ج 2 ، ص 290 .