ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها ; لأن السابقة قد وصف
الله فيها المنافق بأمور أربعة : البخل ، وترك الصلاة ، والرياء فيها ، ومنع الزكاة ; فذكر
هنا في مقابلة البخل : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * أي الكثير . وفى مقابلة ترك الصلاة
" فصل " أي دم عليها ; وفى مقابلة الرياء * ( لربك ) * ، أي لرضاه لا للناس ، وفى مقابلة
منع الماعون : * ( وانحر ) * ; وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ; فاعتبر هذه
المناسبة العجيبة .
وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح ، وسورة الكهف بالتحميد ; لأن
التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد ; يقال : سبحان الله ، والحمد الله .
وذكر الشيخ كمال الدين الزملكاني في بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك
ما ملخصه : إن سورة بني إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء ; وهو من الخوارق الدالة
على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه رسول من عند الله ، والمشركون كذبوا
ذلك وقالوا : كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس ! وعادوا وتعنتوا وقالوا : صف
لنا بيت المقدس ; فرفع له حتى وصفه لهم . والسبب في الإسراء أولا لبيت المقدس ، ليكون
ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السماوات ; فافتتحت بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه ;
لأن تكذيبهم له تكذيب عناد ، فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذي كذبوه . وأما الكهف
فإنه لما احتبس الوحي ، وأرجف الكفار بسبب ذلك ، أنزلها الله ردا عليهم ، وأنه لم يقطع نعمه
عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل أتم عليه بإنزال الكتاب ، فناسب افتتاحها بالحمد على
هذه النعمة . وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور ، فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض ! بل
عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة .
البرهان — صفحة 39
مساهمون: الزركشي
ص٣٩