صلى الله عليه وسلم ، ثم جمع بحضرة الصديق ; والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان في
خلافة عثمان .
وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب " فهم السنن " :
كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في
الرقاع والأكتاف والعسب ; وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان ، وكان ذلك
بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيها القرآن منتشر ، فجمعها
جامع ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ .
فإن قيل : كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال ؟ قيل : لأنهم كانوا
يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف ، وقد شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه وسلم
عشرين سنة فكان تزويد ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شئ
من صحيحه .
فإن قيل : كيف لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ قيل : لأن الله تعالى
كان قد أمنه من النسيان بقوله : * ( سنقرئك فلا تنسى . إلا ما شاء الله ) * أن يرفع
حكمه بالنسخ ، فحين وقع الخوف من نسيان الخلق حدث ما لم يكن ، فأحدث بضبطه
ما لم يحتج إليه قبل ذلك .
وفى قول زيد بن ثابت : " فجمعته من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال " ما أوهم
بعض الناس أن أحدا لم يجمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; وأن من قال :
إنه جمع القرآن أبي بن كعب وزيد ليس بمحفوظ . وليس الأمر على ما أوهم ; وإنما
طلب القرآن متفرقا ليعارض بالمجتمع عند من بقي ممن جمع القرآن ليشترك الجميع في علم ما جمع
البرهان — صفحة 238
مساهمون: الزركشي
ص٢٣٨