فوضعه بالموضع الذي هو فيه اليوم وفي رواية : صاح أبو قبيس يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندي وديعة فخذها ، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة ، فجاء إسماعيل فوجد إبراهيم قد وضع الحجر في مكانه ، فقال : يا أبت من أين لك هذا الحجر ؟ قال : جائني به من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك وفي رواية : من عند من لم يتكل على بنائي وبنائك وفي رواية : وضع جبريل الحجر في مكانه وبنى عليه وهو حينئذ يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه ، فأضاء نوره شرقاً وغرباً ويمناً
وشاماً ، فكان نوره يضيء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحي الحرم ، وقيل : إنما شدة سواده ؛ لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإسلام ؛ فأما حريقه في الجاهلية فإنه ذهبت امرأة في زمن قريش تجمر الكعبة ، فطارت شرارة من أستار الكعبة ، فأحرقت الكعبة فاحترق الركن الأسود واسود وتوهنت الكعبة ، وكان هو الذي هاج قريشاً على هدمها وبنائها . وأما حريقه في الإسلام ففي عصر ابن الزبير أيام حاصره الحصين بن نمير الكندي ، احترقت الكعبة واحترق الركن فتفلق ثلاث فلق حتى شعبه ابن الزبير بالفضة ، وقيل : سواده لمعنى آخر وتقدم في باب الفضائل .
وجعل إبراهيم طول البيت في السماء تسعة أذرع ، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعاً من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي هو عند الحجر من وجهه ، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعاً ، وجعل عرض ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحداً وثلاثين ذراعاً ، وجعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعاً ، فلذلك سميت الكعبة ؛ لأنها على خلقة الكعب ، وكذلك بنيان أساس آدم عليه السلام وجعل بابها بالأرض غير مبوب ، حتى كان تبع أسود الحميري هو الذي جعل لها باباً وغلقاً فارسياً وكساها كسوة تامة ونحر عندها . وجعل إبراهيم الحجر إلى جنب البيت عريّاً من أراك يقتحمه الغير فكان زرباً لغنم إسماعيل عليه السلام وحفر إبراهيم عليه السلام جباً في بطن الكعبة على يمين
تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف — صفحة 39
مساهمون: محمد بن أحمد المكي الحنفي
ص٣٩