قال عز الدين بن جماعة : وشتان بين هذا الأعرابي وبين من أضله الله فحرم السفر إلى زيارته صلى الله عليه وسلم ، وهي من أعظم القربات كما قدمناه ولبعض زوار النبي صلى الله عليه وسلم :
أتيتك زائراً وودت أني * جعلت سواد عيني أمتطيه
وما لي لا أسير على جفوني * إلى قبر رسول الله فيه
قال القاضي عياض رحمه الله : وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل ، وتردد بها جبريل وميكائيل ، وعرجت منها الملائكة والروح ، وضجت في عرصاتها بالتقديس والتسبيح ، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر ، وانتشر عنها من دين الله وسنة نبيه ما انتشر ، مدارس آيات ، ومساجد وصلوات ، ومشاهد الفضائل والخيرات ، ومعاهد البراهين والمعجزات ، ومساكن الدين ، ومشاعر المسلمين ، وموقف سيد المرسلين ، ومتبوأ خاتم النبيين ، حيث انفجرت النبوة وفاض عبابها ، ومواطن مهبط الرسالة ، وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها ، أن تعظم عرصاتها ، وتنسم نفحاتها ، وتقبّل ربوعها وجدرانها ، وأنشد :
يا دار خير المرسلين ومن به * هدى الأنام وخص بالآيات
عندي لأجلك لوعة وصبابة * وتشوق متوقد الجمرات
وعليّ عهد إن ملأت محاجري * من تلكم الجدرات والعرصات
لأعفرن مصون شيبي بينها * من كثرة التقبيل والرشفات
لولا العوادي والأعادي زرتها * أبداً ولو سحباً على الوجنات
لكن سأهدي من حفيل تحيتي * لقطين تلك الدار والحجرات
أزكى من المسك المفتق نفحة * تغشاه بالآصال والبكرات
وتخصه بزواكي الصلوات * وتوأمي التسليم والبركات
تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف — صفحة 347
مساهمون: محمد بن أحمد المكي الحنفي
ص٣٤٧