لا تقتصروا على أن تقولوا ( الله يشهد بأنا صادقون ) فيما ادعيناه ( كما يقوله العاجر عن إقامة البينة ) والأمر حينئذ
لبيان انقطاعهم بالكلية ، وأنه لم يبق لهم متشبث سوى الاستشهاد به تعالى ( قوله أو ادعوا ) هذا هو الوجه السادس
والأرجح الذي يشهد له قوله تعالى - قل لئن اجتمعت الإنس والجن - الآية : أي ادعوا كل من يحضركم إلا الله
لأنه القادر عليه ، والأمر فيه لتعجيزهم وإرشادهم إلى ما يستيقنون به معجزتهم بلا ريبة ، ومن في هذين الوجهين
ابتدائية أيضا ( قوله تريك القذى ) آخره * إذا ذاقها من ذاقها يتمطق * يصف الزجاجة بغاية الصفاء وأنها تريك
القذى قدامها ، والحال أنها قدام القذى ، والضمير في ذاقها لها باعتبار باقيها على قياس قولك شربت كأسا ، يقال
ذاق فتمطق : أي صم شفتيه وألصق لسانه بالحنك الأعلى مع صوت ، والمداره جمع مدره وهو لسان القوم والمتكلم
عنهم ، واصله مدرأ ، لأنه لفصاحته يدرأ الخصم ، والمشاهد مواضع الحضور جمع مشهد ، وناقلته الحديث إذا
حدثته وحدثك ، وناقل الشاعر الشاعر . إذا ناقضه ، والأنفة الاستنكاف . انخزل الشئ انقطع . وقوله وهو
بينكم وبين أعناق رواحلكم مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام من حديث طويل " والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم
من عنق راحلته " وهو مثل في القرب ( قوله لما أرشدهم إلى الجهة ) أي إلى الطريقة ( التي منها يتعرفون ) أي
يتطلبون المعرفة حتى يصلوا إليها ( قوله وما جاء به ) عطف على النبي من قبيل أعجبني زيد وكرمه : أي يتعرفون
أمر ما جاء به ( قوله وامتياز حقه من باطله ) أي امتياز كونه حقا من كونه باطلا . وقيل المراد بباطله الباطل الذي
ينسبه إليه الكفرة من كونه شاعرا أو ساحرا أو مجنونا ، فلا يرد أن أمره فيما جاء به حق كله . فلا معنى لباطله :
والصحيح أن قوله قال لهم الخ ، بيان لمآل المعنى وتنبيه على أن فاتقوا النار كما سيصرح به كناية عن التصديق وترك
العناد ، وقد يتوهم أن مراده أن الله سبحانه رتب على ذلك الإرشاد تكميلا له شرطيتين : إحداهما محذوفة الجزاء ،
والأخرى محذوفة الشرط . فقوله فإذا لم تعارضوه إلى قوله معجوز عنه إشارة إلى معنى قوله فإن لم تفعلوا ، وقوله
فقد صرح الحق عن محضه : أي انكشف عن خالصه جواب لهذا الشرط محذوف ، وقوله فآمنوا وخافوا إشارة
إلى معنى قوله فاتقوا ، وهو جزاء لشرط مقدر : أي وإذا صرح عن محضه فآمنوا ، وقد أظهر معنى هذا المقدر
حيث قال : وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار ، وليس بشئ لأن فاتقوا جواب ،
فإن لم تفعلوا كما دل عليه قوله فيما بعد ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ، وفى قوله فإذا
الحاشية على الكشاف — صفحة 246
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص٢٤٦