فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين . فبعث الله غرابا يبحث
في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا
الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين . من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل
شرح
الشنيع ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) فوسعته له ويسرته من طاع له المرتع إذا
اتسع . وقرأ الحسن فطاوعت ، وفيه وجهان : أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فاعل ، وأن يراد أن قتل أخيه كأنه
دعا نفسه إلى الاقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع وله الزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله ، وقيل قتل وهو ابن
عشرين سنة وكان قتله عند عقبة حراء ، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ( فبعث الله غرابا ) روي أنه أول
قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم ، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله
في جراب على ظهره سنة حتى أروح ، وعكفت عليه السباع فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له
بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ( قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ) ويروى أنه لما قتله اسود
جسده وكان أبيض ، فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلا فقال بل قتلته ولذلك اسود جسدك . وروي
أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك ، وأنه رثاه بشعر وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون . وقد
صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر ( ليريه ) ليريه الله أو ليريه الغراب : أي ليعلمه لأنه لما كان
سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ( سوءة أخيه ) عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من
جسده ، والسوءة الفضيحة لقبحها ، قال : يا لقوم للسوءة السوآء : أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها
( فأواري ) بالنصب على جواب الاستفهام . وقرئ بالسكون على فأنا أواري أو على التسكين في موضع
النصب للتخفيف ( من النادمين ) على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره وتبين له من عجزه وتلمذه للغراب
واسوداد لونه وسخط أبيه ولم يندم ندم التائبين ( من أجل ذلك ) بسبب ذلك وبعلته وقيل أصله من أجل شرا إذا
جناه يأجله أجلا ، ومنه قوله :
وأهل خباء صالح ذات بينهم
قد احتربوا في عاجل أنا آجله
كأنك إذا قلت من أجلك فعلت كذا ، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته ، ويدل عليه قولهم : من جراك
فعلته : أي من أن جررته بمعنى جنيته ، وذلك إشارة إلى القتل المذكور : أي من أن جنى ذلك القتل الكتب
وجره ( كتبنا على بني إسرائيل ) ومن لابتداء الغاية : أي ابتدأ الكتب ونشأ من أجل ذلك ، ويقال فعلت كذا
لأجل كذا ، وقد يقال أجل كذا بحذف الجار وإيصال الفعل قال : أجل أن الله قد فضلكم . وقرئ من أجل