أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا . إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما .
شرح
أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم ، أو نردهم إلى حيث
جاءوا منه وهي أذرعات الشام يريد إجلاء بني النضير . فإن قلت : لمن الراجع في قوله أو نلعنهم ؟ قلت : للوجوه
إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه لان المعنى : من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب
على طريقة الالتفات ( أو نلعنهم ) أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت . فإن قلت : فأين وقوع الوعيد ؟
قلت : هو مشروط بالايمان وقد آمن منهم ناس . وقيل هو منتظر ولا بد من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة ،
ولان الله عز وجل أوعدهم بأحد الامرين بطمس وجوه منهم أو بلعنهم ، فإن كان الطمس تبديل أحوال
رؤسائهم أو إجلاؤهم إلى الشام فقد كان أحد الامرين وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان ،
والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ . ألا ترى إلى قوله تعالى - قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه
الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير - ( وكان أمر الله مفعولا ) فلا بد أن يقع أحد الامرين إن لم يؤمنوا .
فإن قلت : قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة فما
وجه قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ؟ قلت : الوجه أن يكون الفعل المنفي
والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالى - لمن يشاء - كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون
الشرك ، على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب ، ونظيره قولك : إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار
لمن يشاء ، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله ( فقد افترى إثما ) أي ارتكبه وهو مفتر