فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم
يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم . إنما ذلكم الشيطان يخوف
أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين . ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر
شرح
نعيم هو المثبط وحده ؟ قلت : قيل ذلك لأنه من جنس الناس كما يقول : فلان يركب الخيل ويلبس البرود وماله
إلا فرس واحد وبرد فرد ، أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ويصلون جناح كلامه
ويثبطون مثل تثبيطه . فإن قلت : إلام يرجع المستكن في ( فزادهم ) ؟ قلت : إلى المقول الذي هو إن الناس قد
جمعوا لكم فاخشوهم ، كأنه قيل : قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيمانا ، أو إلى مصدر قالوا كقولك من صدق كان
خيرا له ، أو إلى الناس إذا أريد به نعيم وحده . فإن قلت : كيف زادهم نعيم أو مقولة إيمانا ؟ قلت : لما لم يسمعوا
قوله واخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الاسلام كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم كما
يزداد الايقان بتناصر الحجج ، ولان خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة ، والطاعات من جملة
الايمان ، لان الايمان اعتقاد وإقرار وعمل . وعن ابن عمر قلنا : يا رسول الله إن الايمان يزيد وينقص ؟ قال : نعم
يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى يدخل صاحبه النار . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ بيد
الرجل فيقول : قم بنا نزدد إيمانا . وعنه ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به ) ( حسبنا الله ) محسبنا :
أي كافينا ، يقال أحسبه الشئ إذا كفاه ، والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول : هذا رجل حسبك ، فتصف
به النكرة لان إضافته لكونه في معنى اسم الفاعل غير حقيقية ( ونعم الوكيل ) ونعم الموكول إليه هو ( فانقلبوا )
فرجعوا من بدر ( بنعمة من الله ) وهي السلامة وحذر العدو منهم ( وفضل ) هو الربح في التجارة كقوله - ليس
عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم - ( لم يمسسهم سوء ) لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدو ( واتبعوا رضوان الله )
بجرأتهم وخروجهم ( والله ذو فضل عظيم ) قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا ، وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم
وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء . وروي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزو فأعطاهم الله
ثواب الغزو ورضى عنهم ( الشيطان ) خبر ذلكم بمعنى إنما ذلكم المثبط هو الشيطان ، ويخوف أولياءه جملة مستأنفة
بيان لشيطنته أو الشيطان صفة لاسم الإشارة ، ويخوف الخبر ، والمراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان ، ويجوز أن
يكون على تقدير حذف المضاف بمعنى : إنما ذلكم قول الشيطان : أي قول إبليس لعنه الله ( يخوف أولياءه )
يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه ، وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود : يخوفكم أولياءه ، وقوله :
فلا تخافوهم ، وقيل يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : فإلام
رجع الضمير في ( فلا تخافوهم ) على هذا التفسير ؟ قلت : إلى الناس في قوله إن الناس قد جمعوا لكم فلا تخافوهم
فتقعدوا عن القتال وتجبنوا ( وخافون ) فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به ( إن كنتم مؤمنين ) يعني
أن الايمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس ولا يخشون أحدا إلا الله ( يسارعون في الكفر ) يقعون فيه
سريعا ويرغبون فيه أشد رغبة ، وهم الذين نافقوا من المتخلفين ، وقيل هم قوم ارتدوا عن الاسلام . فإن قلت :