لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به
ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا
معكم من الشاهدين . فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون . أفغير دين الله يبغون
شرح
كما تقول ميثاق الله وعهد الله كأنه قيل : وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم . والثالث أن يراد
ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف . والرابع أن يراد أهل الكتاب وأن يرد على زعمهم تهكما
بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون ، وتدل عليه قراءة أبي
وابن مسعود " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " واللام في ( لما آتيتكم ) لا التوطئة لأن أخذ الميثاق
في معنى الاستحلاف وفي لتؤمنن لام جواب القسم ، وما يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط ، ولتؤمنن سا
مسد جواب القسم والشرط جميعا ، وأن تكون موصولة بمعنى الذي آتيتكموه لتؤمنن به . وقرئ لما آتيتكم ، وقرأ
حمزة لما آتيتكم بكسر اللام ، ومعناه : لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم لمجئ رسول مصدق لما معكم
لتؤمنن به على أن ما مصدرية والفعلان معها ، أعني آتيتكم وجاءكم في معنى المصدرين ، واللام داخلة للتعليل على
معنى أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الحكمة ، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به
ونصرته موافق لكم غير مخالف ، ويجوز أن تكون ما موصولة . فإن قلت : كيف يجوز ذلك والعطف على آتيتكم
وهو قوله ثم جاءكم لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصفة لأنك لا تقول للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم ؟
قلت : بلى لأن ما معكم في معنى ما آتيتكم ، فكأنه قيل للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له . وقرأ سعيد بن
جبير لما بالتشديد بمعنى حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان به
ونصرته ، وقيل أصله لمن من فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم فحذفوا
إحداها فصارت لما ومعناها : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به وهذا نحو من قراءة حمزة في معنى ( إصري ) عهدي .
وقرئ أصري بالضم ، وسمي إصرا لأنه ما يؤصر : أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به ، ويجوز أن يكون
المضموم لغة في إصر كعبر وعبر وأن يكون جمع إصار ( فاشهدوا ) فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ( وأنا على
ذلكم ) من إقراركم وتشاهدكم ( من الشاهدين ) وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله
وشهادة بعضهم على بعض ، وقيل الخطاب للملائكة ( فمن تولى بعد ذلك ) الميثاق والتوكيد ( فأولئك هم الفاسقون )
أي المتمردون من الكفار . دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة ، والمعنى : فأولئك هم الفاسقون
فغير دين الله يبغون ثم توسطت الهمزة بينهما ، ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره ( أ ) يتولون ( فغير دين الله
يبغون ) وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه