تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد
شرح
وهو قريب من بدع التفاسير ( الخيط الأبيض ) هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود و ( الخيط الأسود ) ما يمتد معه من غبش الليل شبها بخيطين أبيض وأسود . قال أبو داود : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وقوله ( من الفجر ) بيان للخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لان بيان أحدهما بيان للثاني ، ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله . فان قلت : أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه ؟ قلت : قوله من الفجر أخرجه من باب الاستعارة كما أن قولك رأيت أسدا مجاز ، فإذا زدت من فلان رجع تشبيها . فإن قلت : فلم زيد من الفجر حتى كان تشبيها وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة ؟ قلت : لان من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام ، ولو لم يذكر من الفجر لم يعلم أن الخيطين مستعاران ، فزيد من الفجر فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة فان قلت : فكيف التبس على عدى ابن حاتم مع هذا البيان حتى قال : عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال : إن كان وسادك لعريضا . وروى : إنك لعريض القفا إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل . قلت : غفل عن البيان ولذاك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه ، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته ، وأنشدتني بعض البدويات : عريض القفا ميزانه في شماله قد انحص من حسب القراريط شاربه فإن قلت : فما تقول فيما روى عن سهل بن سعد الساعدي أنها نزلت ولم ينزل من الفجر ، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له فنزل بعد ذلك ( من الفجر ) فعلموا أنه إنما يعنى بذلك الليل والنهار ، وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث حيث لا يفهم منه المراد ، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة ، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر ، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهى غير مرادة . قلت : أما من لا يجوز تأخير البيان وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو مذهب أبي على وأبى هاشم فلم يصح عندهم هذا الحديث ، وأما من يجوزه فيقول ليس بعبث ، لان المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) قال فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر وعلى نفى صوم الوصال ( عاكفون في المساجد ) معتكفون فيها والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه ، والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ، فالآن باشروهن ) وقيل معناه : ولا تلامسوهن بشهوة ، والجماع يفسد الاعتكاف ، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل . وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك ، وقالوا : فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد ، وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد ، وقيل لا يجوز