فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان
شرح
على أنه كقولك : سير بزيد بعض السير وطائفة من السير ، ولا يصح أن يكون شئ في معنى المفعول به ، لان
عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة ، وأخوه هو ولى المقتول ، وقيل له أخوه لأنه لابسه من قيل أنه ولى الدم
ومطالبه به ، كما تقول للرجل : قل لصاحبك كذا ، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة ، أو ذكره بلفظ الاخوة ليعطف
أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والاسلام . فان قلت ، إن عفا يتعدى بعن لا باللام فما
وجه قوله فمن عفى له ؟ قلت : يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال : عفوت عن فلان وعن ذنبه ، قال الله
تعالى - عفا الله عنك - وقال - عفا الله عنها - فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معا قيل : عفوت لفلان عما جنى ، كما
نقول : غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه ، وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل : فمن عفى له عن جنايته فاستغنى عن
ذكر الجناية : فان قلت : هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شئ في معنى المفعول به ؟ قلت : لان عفا الشئ
بمعنى تركه ليس يثبت ، ولكن أعفاه ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ( وأعفوا اللحى ) . فان قلت : فقد ثبت قولهم
عفا أثره إذا محاه وأزاله ، فهلا جعلت معناه فمن محى له من أخيه شئ ؟ قلت : عبارة قلقة في مكانها والعفو في باب
الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس ، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن
مكانها ، وترى كثيرا ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله على اختراع
لغة وادعاء على العرب مالا تعرفه ، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها . فان قلت : لم قيل شئ من العفو ؟ قلت :
للاشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة ثم العفو وسقط
القصاص ولم تجب إلا الدية ( فاتباع بالمعروف ) فليكن اتباع أو فالامر اتباع ، وهذه توصية للمعفو عنه والعافي