وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين . الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه
راجعون . يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على
العالمين . واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا
شرح
يقول : واستعينوا بالصبر والصلاة . وقيل الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات ، ومنه قيل لشهر رمضان
شهر الصبر ، ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء وأن يستعان على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى الله
تعالى في دفعه ( وإنها ) الضمير للصلاة أو للاستعانة ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا
عنها من قوله اذكروا نعمتي إلى واستعينوا ( لكبيرة ) لشاقة ثقيلة من قولك كبر على هذا الأمر - كبر على المشركين
ما تدعوهم إليه - فإن قلت : مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل . قلت : لأنهم يتوقعون ما ادخر
للصابرين على متاعبها فتهون عليهم ألا ترى إلى قوله تعالى ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل
ما عنده ويطمعون فيه وفى مصحف عبد الله يعلمون ومعناه يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب
ذلك ولذلك فسر يظنون بيتيقنون ، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه
كالمنافقين والمرائين بأعمالهم ، ومثاله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله فتراه يزاوله
برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه كأنه يستلذ مزاولته ، بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة ،
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وجعلت قرة عيني في الصلاة " وكان يقول " يا بلال روحنا "
والخشوع : الإخبات والتضامن ، ومنه الخشعة للرملة المتطامنة . وأما الخضوع : فاللين والانقياد ، ومنه خضعت
بقولها : إذا لينته ( وإني فضلتكم ) نصب عطف على نعمتي : أي اذكروا نعمتي وتفضيلي ( على العالمين ) على الجم
الغفير من الناس كقوله تعالى - باركنا فيها للعالمين - يقال رأيت عالما من الناس يراد الكثرة ( يوما ) يريد يوم القيامة
( لا تجزى ) لا تقضى عنها شيئا من الحقوق ومنه الحديث في جذعة بن نيار " تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك "
و ( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر : أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى - ولا يظلمون شيئا -