انظر هل في القوّاد والعوامّ من يحفظها فإنّي أحّبّ أن أسمعها من إنسان ينشدها . فخرجت فاعترضت النّاس فلم أجد أحدا ينشدها إلَّا شيخا مؤدّبا قد انصرف من تأديبه ، فسألته : هل [ تحفظ شيئا من الشعر ؟ ] فقال :
نعم ، شعر أبي ذؤيب . فقلت أنشدني فابتدأ هذه القصيدة ، فقلت : أنت بغيتي . ثمّ أوصلته إلى المنصور فاستنشده إيّاها فلمّا قال :
والدّهر ليس بمعتب من يجزع
قال : صدق ، واللَّه ، فأنشدني هذا البيت ليتردّد عليّ هذا المصراع ، فأنشده ثمّ مرّ فيها فلمّا انتهى إلى قوله : [ من الكامل ]
والدّهر لا يبقى على حدثانه
جون السّراة له جدائد أربع
قال : سلا أبو ذؤيب عند هذا القول . وأمر الشّيخ بالانصراف . واتّبعته فقلت :
أمر لك أمير المؤمنين بشيء ؟ قال : نعم ، وأراني صرّة في يده فيها مائة درهم .
« 456 » - قال العلاء البندار : كان الوليد بن يزيد زنديقا ، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول بمقالته مقالة الثنوية . فدخلت يوما على الوليد وذلك الكلبيّ عنده ، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه ، وإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر ، فقال : ادن يا علاء ، فدنوت فرفع الحرير ، وإذا في السّفط صورة إنسان ، وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه فجفنه يطرف كأنّه يتحرّك .
فقال : يا علاء ، هذا ماني ، لم يبعث اللَّه نبيّا قبله ولا يبعث نبيّا بعده . فقلت : يا أمير المؤمنين ، اتّق اللَّه ولا [ يغرّنّك هذا ] الذي ترى من دينك . فقال الكلبيّ :
قد قلت لك يا أمير المؤمنين ، قد قلت لك إنّ العلاء لا يحتمل هذا الحديث .
قال العلاء : فمكثت أياما ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف منه ، والكلبيّ عنده إذ نزل من عنده ، وقد كان حمله على برذون هملاج
هامش
« 456 » الأغاني 7 : 71 .