الواقع في رتبة الجهل به ، فيكون المجعول في باب الطريق والأمارات والأصول
في طول الواقع لا في عرضه . وليس للشارع حكمان : حكم واقعي وحكم
ظاهري ، بأن يكون تكليفان مجعولان شرعيان : أحدهما تكليف واقعي ، والآخر
تكليف ظاهري ، فان التكليف الظاهري بهذا المعنى مما لا نعقله .
والمراد من كون مؤديات الطرق والأصول أحكاما ظاهرية هو كونها
مثبتة للواقع عند الجهل والحكم بأن مؤدياتها هو الواقع لمكان كونها محرزة له ،
وليس هناك حكم آخر وراء الواقع يسمى بالحكم الظاهري ، كما ربما يتخيل .
فظهر : أن ما بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية بون بعيد ، وأن
حكومة الأمارات إنما تكون حكومة ظاهرية واقعة في طول الواقع وفي طريق إحرازه ،
ويكون المجعول فيها نفس المحرزية ، والتنجيز والعذر من اللوازم العقلية المترتبة على
ما هو المجعول ، لوضوح أن التنجز لا يكون إلا بالوصول إلى الواقع وإحرازه ، إما
بنفسه ( كما في العلم والطرق والأمارات والأصول المتكفلة للتنزيل ) وإما
بطريقه ( كما في موارد جريان أصالة الاحتياط ) على ما سيأتي توضيحه في محله .
وعلى كل حال : نفس التنجيز والعذر غير قابل للجعل ، كما ربما
يوهمه بعض الكلمات ، وإنما الذي يكون قابلا للجعل هو المحرزية والوسطية في
الإثبات ليكون الواقع واصلا إلى المكلف ، ويلزمه عقلا تنجيز الواقع .
الأمر الثالث : قد ظهر مما ذكرنا : أنه ليس لنا واقع حقيقي وواقع
جعلي ، وعلم بالواقع الحقيقي وعلم بالواقع الجعلي ، بأن يكون للواقع فردان : فرد
حقيقي وفرد جعلي ، وللعلم فردان : علم بالواقع الحقيقي وعلم بالواقع الجعلي ،
فان ذلك كله مبنى على جعل المؤدى ، فيصح أن يقال - بنحو من المسامحة - إن
للخمر مثلا فردان : خمر واقعي وخمر جعلي تعبدي ، وكذا للعلم فردان : علم
بالخمر وعلم بالخمر التعبدي . وأما بناء على عدم جعل المؤدى فليس للخمر
إلا فرد واحد ، وهو الخمر الواقعي ، والإحراز إنما يتعلق به . نعم : هناك علم
فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 20
مساهمون: الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني
ص٢٠