الصدقة لا يمكن ولا يصح أن يكون حلا لمشكلة الفقر وأن هذه المشكلة لا تحل إلا بالعمل والكسب . وأن الصدقة إنما هي للمحتاج غير القادر على الكسب لسبب من الأسباب . ولقد أمر اللَّه الناس بالعمل والكسب وابتغاء فضل اللَّه ورزقه في آيات كثيرة مبثوثة في السور المكيّة والمدنيّة التي مرّ تفسيرها حيث يتساوق التلقين القرآني والنبوي في هذا الأمر . ولقد كره بعضهم بناء على ذلك إعطاء القادر على الكسب ولو كان محتاجا . وكره بعضهم إعطاء من ليس في حاجة عاجلة ما دام عنده ما يسدّ رمقه في حالته الحاضرة . ومنهم من قدر ذلك بخمسين درهما أو عدلها ذهبا وفضة . ومنهم من قدر ذلك بشبعه وشبع عياله يوما ( 1 ) . ولقد قال الإمام أبو عبيد تعليقا على الأحاديث إنها من قبيل التغليظ على السائل والسؤال . وإن المعطي يجزئ عنه ما يعطيه للسائل . وإن هذا هو ما عليه أمر الناس وفتيا العلماء .
وقد يكون هذا وجيها بخاصة بالنسبة لحاجة السائل الملحة . غير أن التلقين الذي نوهنا به يظل هو الأقوى فيما هو المتبادر .
وننبه على أن الكلام هو في صدد السؤال والسائلين أما المحتاج الذي لا يسأل ولا يقدر على الكسب أو لا يتيسّر له مجال للكسب فليس من حرج في إعطائه مطلقا . وهذه صفة المسكين على ما جاء في الحديث الذي أوردناه قبل .
وحقّه في الزكاة منصوص عليه واللَّه تعالى أعلم .
وهناك من كره أن يعطي الشخص الواحد من الفقراء والمساكين أكثر من خمسين درهما . وفي قول أكثر من مائة درهم . وهناك من أجاز ذلك . وقد روي في صدد الإجازة عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قوله : « إذا أعطيتم فأغنوا » ( 2 ) وقوله : « لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل » ( 3 ) . وفي هذا من السداد والحكمة ما فيه . بل نراه عظيم الهدف لأن به يخلص فقير من الفقر ولا يظل موضعا للصدقة .
هامش
( 1 ) انظر كتاب الأموال ص 553 وما بعدها .
( 2 ) المصدر نفسه ص 565 .
( 3 ) المصدر نفسه .