تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
والمتبادر أن التقدير النبوي للدية متأثر بالظروف والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية في ذلك الوقت . وقد يكون والحالة هذه مساغ للقول إن لولي أمر المسلمين حقّ الاجتهاد في التقدير بالنسبة للظروف والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية في وقته واللَّه أعلم . وثامنا : لقد استطرد الطبري إلى مسألتين . أولاهما نجاة الجاني من عقوبة الآخرة إذا اقتصّ منه أو أدّى دية ما جنت يده . أو عفا المصاب عنه . فقال إن هذا هو كفارته ولا عقوبة أخروية عليه على ما ثبت من حكم رسول اللَّه في ذلك . وهذا حقّ وصواب استنادا إلى أحاديث رسول اللَّه التي أوردناها قبل والتي ذكر فيها أن اللَّه أعدل من أن يثني عقوبة على عبده . أما الثانية فهي ما يمكن أن يحدثه شخص في آخر من جروح خطأ بدون عمد . وقد قال الطبري إن اللَّه سبحانه قد وضع عن عباده جناح ما أخطأوا ولم تتعمده قلوبهم ( 1 ) فلا محل لقصاص فإن عفا المصاب فيها وإلا فلا يجب على الجاني غير الدية . وهو اجتهاد وجيه . ولعلَّه قاسه على القتل الخطأ الذي لا يستوجب قصاصا بل دية إن لم يعف أهل القتيل على ما مرّ شرحه في سياق الآية [ 42 ] من سورة النساء . وقد تكون الحالة هنا من باب الأولى . وقد يرد سؤال عما إذا لم يجد الجاني دية . فآية النساء شرعت في مثل هذه الحالة صيام شهرين متتابعين توبة من اللَّه والفرق عظيم بين جرح غير مميت وبين إزهاق روح . وقد يكون في صيام الجاني مدة ما توبة له واللَّه تعالى أعلم .
وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناه الإِنْجِيلَ فِيه هُدىً ونُورٌ ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ‹ 46 › ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ‹ 47 › .
هامش
( 1 ) ورد هذا المعنى في آية سورة الأحزاب 5 .
التفسير الحديث — صفحة 142 | محمد عزة دروزة