جهة ولتشديد التنديد والتشنيع من جهة أخرى للخلاف والنزاع والبطر ، ولقد روى الطبرسي عن الحسن البصري أن ما جاء عن الشيطان إنما كان على سبيل الوسوسة وأن الشيطان لم يتمثل في صورة إنسان وهو المعقول فيما نرى .
ويتبادر لنا أن الآيات انطوت على قصد المقارنة أيضا ، فالكفار خرجوا بتزيين الشيطان وكان معتمدهم وجارهم فأخزاهم اللَّه على ما كانوا عليه من كثرة عدد وعدد وزهو وبطر واعتداد بالنفس ، والمسلمون خرجوا بإلهام اللَّه متوكلين عليه فنصرهم على ما كانوا عليه من قلة عدد وعدد أثارت عجب المنافقين ومرضى القلوب وحملتهم على الغمز والاستخفاف بهم وتوقع الهزيمة لهم .
وروى المفسرون في صدد الآية [ 47 ] أن أبا سفيان أرسل إلى جيش مكة يقترح عليه العودة وقد نجت القافلة فقال أبو جهل : واللَّه لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا ، وهو ما عبرت الآية عنه بتعبير * ( بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ ) * فكان ذلك من أسباب الاشتباك الفعلي ( 1 ) .
وروى المفسرون في صدد الآية [ 49 ] روايات عديدة منها أنها عنت جماعة من أهل مكة تكلموا بالإسلام وخرجوا مع المشركين يوم بدر . فلما رأوا قلة المسلمين قالوا غرّ هؤلاء دينهم ، ومنها أن بعض رجال من قريش خرجوا مع الجيش على ارتياب فلما رأوا قلة المؤمنين قالوا ذلك . ومنها أن جماعة من أهل مكة كانوا مسلمين حبسهم أهلهم عن الهجرة وأخرجوهم معهم قهرا إلى بدر فلما رأوا قلة المسلمين ارتدوا وقالوا ذلك القول . ولسنا نرى هذه الروايات مستقيمة مع الظروف ، لأنه لم يكن يوجد في مكة بعد الهجرة من يصح أن يوصف بالنفاق ومرض القلب اللذين كان يوصف بهما الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام من أهل المدينة . والأوجه أن يكون هذا القول صدر عن هؤلاء حينما رأوا عدد المسلمين الذين خرجوا إلى بدر قليلا وهم يعرفون كثرة قريش وقوتهم . وقد احتوت الآية
هامش
( 1 ) ابن هشام ج 2 ص 257 - 258 ، وتفسير الآية في ابن كثير والبغوي والطبري والخازن .