تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
خطر بباله أن يستجيب إلى طلبهم وأن عمر بن الخطاب اقترح عليه ذلك ليظهر مدى موقف الزعماء وأن النبي همّ بأن يكتب لهم عهدا بذلك فأنزل اللَّه الآيات . وهناك رواية تذكر أن الذين طلبوا بعض هذه المطالب هم زعيما قبيلتي تميم وبني فزارة . وهناك رواية تذكر أن بعض أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اقترفوا ذنوبا كبيرة فجاؤوا إلى النبي نادمين فلم يرد عليهم فأنزل اللَّه الآية [ 54 ] ومقتضى هذه الرواية أن هذه الآية نزلت لحدتها مع أنها منسجمة جدا بما قبلها وبعدها . على أن هناك حديثا ذكره مسلم عن سعد جاء فيه : « كنّا مع رسول اللَّه ستة نفر فقال المشركون للنبي اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا . وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما ، فوقع في نفس رسول اللَّه ما شاء اللَّه وحدّث نفسه فأنزل اللَّه عز وجل * ( ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ . . . ) * [ 52 ] إلخ ( 1 ) . ومهما يكن من أمر فالآيات تنطوي على صورة من صور السيرة النبوية . فكثير من الذين آمنوا في أول الأمر كانوا من الفقراء والمساكين ، فكان زعماء الكفار يتخذونهم موضوع سخرية ويعدونهم مظهرا من مظاهر إخفاق النبي صلى اللَّه عليه وسلم في نشر دعوته . وكان بعضهم يتحججون بهم في عدم الاستجابة لئلا يكونوا معهم في مستوى واحد ، ويطلبون من النبي صلى اللَّه عليه وسلم طردهم من مجلسه حينما يريدون أن يجتمعوا به أو يريد أن يجتمع بهم . ومضمون الآيات قد يلهم أن موقف زعماء الكفار كان يؤثر في نفس النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعض الشيء ، ويوجد فيه أملا في اهتداء زعماء الكفار ويجعله يتشاغل عن تلك الطبقة أو يهملها أو يفكر في إقصاء من يكون في مجلسه منها أحيانا انسياقا وراء هذا الأمل . فنبه في الآيات إلى ما في هذا من خطأ ، كما عوتب على موقف مثل هذا الموقف في أوائل سورة عبس التي مرّ تفسيرها . ولقد احتوت سورة الكهف آية فيها صراحة في هذا الباب وهي هذه : واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَه عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواه وكانَ أَمْرُه
هامش
( 1 ) التاج ج 5 ص 165 .
التفسير الحديث — صفحة 97 | محمد عزة دروزة