أنها بلغها أن قوما تكلموا في أبيها فبعثت إلى أزفلة ( 1 ) من الناس وعلت
وسادتها وأرخت ستارتها ثم قالت أبي وما أبيه أي والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود
منيف وظل مديد هيهات كذبت الظنون أنجح والله إذا أكديتم ( 2 ) وسبق إذ ونيتم
سبق الجواد إذا استولى على الأمد ( 3 ) فتى قريش ناشئا كهفها كهلا يريش مملقها ( 4 )
ويرأب شعبها ويلم شعثها حتى حليته قلوبها ثم استشرى في دينه فما برحت
شكيمته ( 5 ) في ذات الله حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون وكان
رضي الله عنه غزير الدمعة وقيذ الجوانح ( 6 ) شجي النشيج فانتصبت ( 7 ) عليه نسوان
أهل مكة وولدانهم يسخرون منه ويستهزئون به " ( 8 ) الله يستهزئ بهم ويمدهم في
طغيانهم يعمهون " ( 9 ) وأكبرت ذلك رجالات قريش فحنت ( 10 ) قسيها وفوقت ( 11 )
سهامها وامتثلوه غرضا فما فلوا له صفاة ولا قصموا له قناة ومضى على سيسائه ( 12 )
حتى إذا ضرب الدين بجرانه ورست أوتاده ودخل الناس فيه أفواجا ومن كل فرقة
أرسالا وأشتاتا اختار الله لنبيه ما عنده فلما قبض الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) اضطرب حبل الدين ومرج
أهله وبغى العوائل وظنت رجال أن قد أكثبت ( 13 ) نهزها ولات حين يظنون وأتى
والصديق بين أظهرهم فقام حاسرا مشمرا فرفع حاشيته بطبه وأقام أوده بثقافة حتى
أمذقر ( 14 ) النفاق فلما انتاش الدين بنعشه وأراح الحق على أهله وقرت ( 15 ) الرؤوس في
كواهلها وحقن الدماء في أهبها حضرت منيته فسد ثلمته بنظيره في السيرة والمرحمة
هامش
( 1 ) الأزفلة : الجماعة من الناس .
( 2 ) يقال : أنجح الله حاجته فنجحت .
وأكديتم يريد إذا خبتم ولم تظفروا .
( 3 ) الأمد : الغاية .
( 4 ) يريش مملقها أي يغنيه ، والمملق : الفقير .
( 5 ) الشكيمة : عزة النفس وأنفتها .
( 6 ) وقيذ الجوانح : الوقيذ العليل الشديد العلة ، والجوانح الضلوع القصار التي تلي الفؤاد .
( 7 ) كذا بالأصل ، واللفظة مهملة بدون نقط في م ، وفي مختصر ابن منظور 13 / 112 فانقصفت .
( 8 ) سقطت من الأصل وأضيفت عن م .
( 9 ) سورة البقرة ، الآية : 15 .
( 10 ) عن م وبالأصل : فحدت .
( 11 ) الفوق : موضع الوتر من السهم ، وفوقت السهم : عملت له فوقا .
( 12 ) سيسائه : سيساء الظهر من الدواب : مجتمع وسطه أي موضع الركوب .
( 13 ) أكثبت نهزها أي قربت فرصها ، والنهز جمع نهزة وهي الفرصة .
( 14 ) أمذقر النفاق : تلاشى .
( 15 ) عنم وبالأصل : وفروا .