تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأعيان — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
المعرفة بتأسيسه علوماً وفنوناً لم يكن لها مثيل من ذي قبل ، كما أكمل فنوناً موروثة من المتقدّمين . ومن أعجب ما أحدثته في الحياة الإِنسانية تشريع أُسُس ونُظُم في حقل التكاليف والحقوق مبنية على الفطرة والخلقة البشرية لا تحيد عنها قيد شعرة ، ولم يرتحل صاحب الدعوة وحامل الشريعة حتى أرسى دعائم أعظم حضارة عرفتها البشرية فكان رائدها وموجدها حيث لم ير التاريخ مثلها فيما عبر وغبر في الشمولية والعمومية . فصارت الشريعة الإِسلامية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتَي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها ، وصار المسلمون مراجع في الكلام والعقيدة ، وأساتذة في الأَخلاق وعباقرة العلوم ، وعلماء شامخين في الحقوق ، استغنوا في ظل التشريع الإِسلامي عن أي تشريع سواه . ومن مميزاتها البارزة شموليّتها وعموميّتها بحيث لم يبق موضوع إلَّا وتناولته تشريعاً وتقنيناً ، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الشريعة الإِسلامية ليست وليدة الفكر البشري المتناهي وإنّما هي أثر العلم والقدرة الواسعين غير المتناهيين .

حفّاظ الشريعة وحملتها :

لبّى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دعوة ربّه وترك كنزين ثمينين ووديعتين كريمتين عرّفهما في حديثه الخالد المعروف بحديث الثقلين ، وقال : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللَّه وعترتي » فكان الكتاب شمساً ساطعة ، والعترة الطاهرة أقماراً منيرة أناروا الطريق للمهتدين . ومن حسن الحظ أنّ جيلًا كبيراً من الأُمّة الإِسلامية قد استضاؤا بنورهم ووصلوا القمة في مجال العلم والعمل ، ومعالم الفقه ومكارم الأَخلاق ، فصاروا نجوماً في سماء العلم يهتدي بهم الناس في حياتهم فحملوا الشريعة دقيقها
تذكرة الأعيان — صفحة 192 | الشيخ جعفر السبحاني