قديمة غير مخلوقة له ، بل الله سبحانه يخلق الجميع بنفسه من دون استعانة بأحد أو
بشئ ، فهو يخلق المادة ويصورها كيف شاء . فلو اعتقدنا أن أحدا مستغن في فعله
العادي ، وغير العادي عمن سواه ، وأنه يقوم بما يريد من دون استعانة أو استمداد
من أحد حتى الله سبحانه فقد أشركناه مع الله واتخذناه ندا له تعالى .
وصفوة القول هي : إن ملاك البحث في هذا التعريف هو : " استقلال الفاعل " في
فعله وعدم استقلاله ، والتوحيد بهذا المعنى مما يشترك فيه العالم والجاهل .
نعم ما يدركه المتأله المثالي من التفاصيل في مورد الاستقلال في المعبود وعدمه
في العابد على ضوء الأدلة العقلية والكتاب العزيز مما يدركه غيره أيضا بفطرته
التي خلق عليها ، وعقليته التي نما عليها ، فلا يلزم من اختصاص فهم التفاصيل
بهذه الطبقة ( أي المتألهين البصيرين ) حرمان عرب الجاهلية من فهم معاني العبادة
ومشتقاتها الواردة في القرآن ومحاوراتهم العرفية ، فالعبادة بهذا المعنى ( أي
باعتقاد كون المعبود مستقلا ) يشترك فيه العالم والجاهل ، والكامل وغير الكامل ،
غير أن كل فرد من الناس يفهمه على قدر ما أعطي من الفهم والدرك كما قال
سبحانه :
( فسالت أودية بقدرها ) ( الرعد - 17 )
غير أن الدارج في ألسن المتكلمين هو " التفويض " فليشرح مقاصدهم .
2 - ماذا يراد من التفويض ؟
اتفقت كلمة الموحدين على أن الاعتقاد بالتفويض موجب للشرك ، وأن الخضوع
النابع من ذاك الاعتقاد يعد عبادة للمخضوع له ، والتفويض يتصور في أمرين :
التوحيد والشرك في القرآن — صفحة 82
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٨٢