بمنزلة الجنس والفصل فيضعهما مكان الجنس والفصل الواقعيين ، والأمر فيما نحن فيه
كذلك إذ نجد أن التعظيم والخضوع والتذلل وما أشبههما أمر مشترك بين العبادة
وغيرها فيتصوره بمنزلة الجنس لها ، ويجد أن العبادة تتميز بخصوصية عن غيرها ،
ولكنه لا يقدر على بيان تلك الخصوصية بلفظ بسيط فيتوسل بوضع جملة مكانه
وهي ما ذكرناها : " ناشئ عن الاعتقاد بالإلوهية " ويضعها مكان الفصل .
وبعبارة ثالثة : أن الإنسان يجد أن " العبادة " ليست مطلق التعظيم ونهاية التذلل بل
هي من خصائص من بيده شؤون الإنسان كلها ، أو شأنا من شؤونه مما به قوام
حياته عاجلا أو آجلا من الموت والحياة ، والخلق والرزق ، والسعادة والشقاء
والمغفرة والشفاعة فيدير شؤونه ويخطط مصيره حسب ما يليق به .
غير أن هذه الجمل ليست بتفصيلها داخلة في " مفهوم " العبادة . ولكنه يشار إلى
تلك الخصوصية الكامنة والضيق الموجود فيها ، بهذه الجمل والتفاصيل وحاشا أن
تؤخذ هاتيك الجمل فيها بطولها .
وعلى ذلك فيصح أن يقال : العبادة قسم خاص من التواضع والخضوع لفظيا أو
عمليا ، ( يؤتى به لتعظيم ما يعتقده العابد بألوهيته ) وما وقع بين الهلالين وإن كان
خارجا عن مفهوم العبادة إلا أنه يبين ما هو المقصود من القسم الخاص من
الخضوع في أول العبارة .
ولذلك نظائر في العرف والعادة مثلا :
1 - يعرف القوس بأنه " قطعة من الدائرة " ولا شك أنه من باب زيادة الحد على
المحدود ، إذ لا يعتبر في صدق القوس كونه قطعة من الدائرة بل هو يصدق وإن لم
يكن قطعة منها ( أي من الدائرة ) ، ( أي القوس ) عبارة عن سطح يحيط به خيط
مستدير ينتهي طرفاه بنقطتين ، من غير اعتبار كونه بعضا من الدائرة .
إلا أن أخذ هذا القيد ( أعني : كونه بعض الدائرة ) من باب بيان الخصوصية
التوحيد والشرك في القرآن — صفحة 76
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٧٦