وقوله سبحانه : ( وألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى
وهارون * قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا
منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ) ،
لما رأى السحرة من عظيم القدرة ما تيقنوا به نبوة موسى ، آمنوا بقلوبهم ، وانضاف إلى ذلك
الاستهوال والاستعظام والفزع من قدرة الله عز وجل ، فخروا لله سبحانه متطارحين قائلين
بألسنتهم : ( آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ) .
قال * ع * : وهارون أخو موسى أسن منه بثلاث سنين ، وقول فرعون : ( آمنتم به
قبل أن آذن لكم ) : دليل على وهنه ، وضعف أمره ، لأنه إنما جعل ذنبهم عدم إذنه ،
والضمير في " به " يحتمل أن يعود على اسم الله سبحانه ، ويحتمل أن يعود على موسى عليه
السلام ، وعنفهم فرعون على الإيمان قل إذنه ، ثم ألزمهم أن هذا كان عن اتفاق منهم ،
وروي في ذلك عن ابن عباس ، وابن مسعود ، أن موسى اجتمع مع رئيس السحرة ، واسمه
شمعون ، فقال له موسى : أرأيت إن غلبتكم ، أتؤمنون بي ، فقال : نعم ، فعلم بذلك
فرعون ، فلهذا قال : إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ، ثم توعدهم .
وقوله سبحانه : ( قالوا إنا إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما
جاءتنا . . . ) الآية : هذا استسلام من مؤمني السحرة ، واتكال على الله سبحانه ، وثقة بما
عنده ، وقرأ الجمهور : " تنقم " - بكسر القاف - ، ومعناه : وما تعد علينا ذنبا تؤاخذنا به إلا
أن آمنا ، قال ابن عباس وغيره فيهم : أصبحوا سحرة ، وأمسوا شهداء ، قال ابن عباس :
لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل ، وقول ملأ فرعون : ( أتذر
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 65
مساهمون: الثعالبي
ص٦٥