وقوله سبحانه : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر ) : التقدير : فأفطر ، ( فعدة ) ،
وهذا يسمونه فحوى ( 1 ) الخطاب ، واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر ،
فقال جمهور العلماء : إذا كان به مرض يؤذيه ، ويؤلمه أو يخاف تماديه ، أو يخاف من
الصوم تزيده ، صح له الفطر ، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك ، وبه يناظرون ، وأما لفظ
مالك : فهو المرض الذي يشق على المرء ، ويبلغ به ، واختلف في الأفضل / من الفطر أو
الصوم ، ومذهب مالك استحباب الصوم لمن قدر عليه ، وتقصير الصلاة حسن ، لأن الذمة
تبرأ في رخصة الصلاة ، وهي مشغولة في أمر الصيام ، والصواب : المبادرة بالأعمال .
والسفر : سفر الطاعة ، كالحج ، والجهاد ، بإجماع ، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم ،
وطلب المعاش الضروري .
وأما سفر التجارة ، والمباحات ، فمختلف فيه بالمنع ، والجواز ، والقول بالجواز
أرجح .
هامش
وهذا ليس بشئ ، لأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي ، وهو قوله : " كما كتب " لأنه ليس
معمولا للمصدر على أي تقدير قدرته . فإن قيل : يجعل " كما كتب " صفة للصيام ، وذلك على رأي من
يجيز وصف المعرف بأل الجنسية بما يجري مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا . قيل : يلزم من ذلك وصف
المصدر قبل ذكر معمولا ، وهو ممتنع .
وقيل : منصوب بالصيام على أن تقدر الكاف نعتا لمصدر من الصيام ، كما قد قال به بعضهم ، وإن كان
ضعيفا ، فيكون التقدير : " الصيام صوما كما كتب " فجاز أن يعمل في " أياما " " الصيام " لأنه إذا ذاك عامل
في " صوما " الذي هو موصوف ب " كما كتب " فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر .
وقيل : ينتصب بكتب : إما على الظرف وإما على المفعول به توسعا ، وإليه نحا الفراء وتبعه أبو البقاء .
قال أبو حيان : " وكلا القولين خطأ : أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل ، والكتابة ليست واقعة في
الأيام ، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام . وأما النصب على المفعول اتساعا فإن ذلك مبني على كونه
ظرف لكتب ، وقد تقدم أنه خطأ . ينظر : " الدر المصون " ( 1 / 460 ) .
( 1 ) وهو : مفهوم الموافقة وهو ما كان مدلول اللفظ في محل المسكوت موافقا لمعناه في محل المنطوق ،
ويسمى " دلالة النص " ، و " فحوى الخطاب " ، و " لحن الخطاب " .
وقد اتفق الشافعية ، والحنفية على حجية الفحوى ، واشترط الشافعية أولوية المسكوت .
وينظر تفصيل ذلك في : " البحر المحيط " للزركشي ( 4 / 7 ) ، " البرهان " لإمام الحرمين ( 1 / 449 ) ،
" الإحكام في أصول الأحكام " للآمدي ( 3 / 62 ) ، " نهاية السول " للأسنوي ( 2 / 202 ) ، " غاية الوصول "
للشيخ زكريا الأنصاري ( 37 ) ، " المنخول " للغزالي ( 208 ) ، " حاشية البناني " ( 1 / 240 ) ، " الإبهاج " لابن
السبكي ( 1 / 367 ) ، " الآيات البينات " لابن قاسم العبادي ( 20 / 15 ) ، " حاشية العطار على جمع
الجوامع " ( 1 / 319 ) ، " التحرير " لابن الهمام ( 29 ) ، " حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى "
( 2 / 172 ) ، " التقرير والتحبير " لابن أمير الحاج ( 1 / 112 ) .