وقوله تعالى : ( والله عليم بالظالمين ) : ظاهره الخبر ، ومضمنه الوعيد ، لأن الله
سبحانه عليم بالظالمين ، وغيرهم ، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد .
( ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما
هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ( 96 ) قل من كان عدوا لجبريل فإنه
نزله على قلبك بأن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ( 97 ) )
هامش
فقالت طائفة : معناهما واحد .
قال أبو الحسن علي بن أحمد : وهو الصحيح عند أهل اللغة ، لا فرق بينهما ، وقال ذو الرمة : [ البسيط ]
ألفي أباه بذاك الكسب يكتسب .
وقال الآخرون : الاكتساب أخص من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ، ولا يقال :
يكتسب ، قال الحطيئة : [ البسيط ]
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر هداك مليك الناس يا عمر
قلت : والاكتساب : افتعال ، وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا ، وأما الكسب فيصح نسبته بأدنى
شئ ، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أو في سعي . وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها
فيه اجتهاد واهتمام .
والقائلون بالكسب اختلفوا في حقيقته ، فقالت المعتزلة : هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته
استقلالا ، وليس للرب منع فيه ، ولا هو خالق فعله ، ولا مكونه ، ولا مريد له .
وقالت الأشعرية : هو مقارنة قدرة العبد لفعله الاختياري في محل واحد هو العبد ، بمعنى أنه متى خلق
الله القدرة التي هي العرض مقارنة لذلك الفعل ، كان ذلك الفعل اختياريا ومكسوبا للعبد بدون أن يكون
لقدرته فيه مدخل أصلا ، وإن لم يخلق الله تلك القدرة المقارنة للفعل ، بل خلق الفعل في العبد فقط ، كان ذلك الفعل اضطراريا ، ولم يكن مكسوبا للعبد . وهذا الفريق صرح بأن العبد مجبور في الباطن
مختار في الظاهر ، فهو عنده مجبور في صورة مختار .
ولا يخفى أن هذا المذهب ومذهب الجبرية واحد معنى ، فيلزم على كل من المذهبين ما يلزم على
الآخر ، والتستر بقالب الاختيار ، وصورته الظاهرية ، المخالفة للواقع لا يفيد .
وقال العلامة الأمير : الكسب هو صرف إرادة العبد إلى الفعل ، وهو أمر اعتباري ، لا يحتاج لخلق
وإيجاد ، وبيان ذلك : أن العبد إذا توجهت إرادته لفعل من أفعاله كالصلاة ، أوجد الله ( تعالى ) في العبد
شيئين مقترنين أحدهما فعله بالمعنى الحاصل بالمصدر أي حركاته وسكناته . والثاني قدرته المتعلقة بفعله
تعلق مقارنة ، وتعلقه المذكور هو فعله بالمعنى المصدري ، فالسبب هو توجه إرادة العبد ، والمسبب
شيئان وجوديان أوجدهما المولى تعالى مقترنين وهما فعل العبد وقدرته ، فلا يناسب حينئذ جعل أحدهما
علة أو شرطا لآخر ، وإنما السبب أو الشرط في إيجاد المؤثر لهما إرادة العبد ، لكنه عادي لا عقلي . فإذا
قصد العبد فعل الخير خلق الله ( تعالى ) فيه قدرة فعل الخير ، وخلق الخير معها . وإن قصد فعل الشر
خلق الله ( تعالى ) فيه قدرة فعل الشر ، وخلق الشر معها . فكان هو المفوت لقدرة فعل الخير ، لقصده
فعل الشر ، فيستحق الذم .
ينظر : " أفعال العباد " لشيخنا عبد الرحمن إبراهيم ص 51 - 54 .