يقاتلون غطفان ، فكلما التقوا ، هزمت اليهود ، فعاذ اليهود يوما بالدعاء ، فقالوا : اللهم ، إنا
نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا
عليهم ، فكانوا إذا التقوا ، دعوا بهذا الدعاء ، فهزموا غطفان ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
كفروا به ، فأنزل الله عز وجل ، ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) ،
والاستفتاح : الاستنصار ، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قبيل الإسلام ( 1 ) . انتهى
من تأليف حسن بن علي بن عبد الملك الرهوني المعروف بابن القطان ، وهو كتاب نفيس
جدا ألفه في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وآيات نبوءته .
وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا يستفتحون على
سائر العرب ، وبسبب خروج النبي المنتظر ، كانت نقلتهم إلى الحجاز ، وسكناهم به ، فإنهم
كانوا علموا صقع ( 2 ) المبعث ، وما عرفوا هو محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ، ويظهر من هذه الآية العناد
منهم ، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة و ( لعنة الله ) إبعاده لهم ، وخزيهم لذلك .
و ( بئس ) : أصله " بئس " ، سهلت الهمزة ، ونقلت حركتها إلى الباء ، و " ما " عند
سيبويه ( 3 ) : فاعلة ب " بئس " والتقدير : بئس الذي اشتروا به أنفسهم .
هامش
" بغداد " ) ولد فيها ، وحدث ب " بغداد " قبل سنة 330 ، ثم انتقل إلى " مكة " ، فتنسك وتوفي فيها 360 ه ،
له تصانيف كثيرة ، منها : " أخبار عمر بن عبد العزيز " ، و " أخلاق حملة القرآن " .
ينظر : " الأعلام " ( 6 / 97 ) ، " وفيات الأعيان " ( 1 : 488 ) ، و " الرسالة المستطرفة " ( 32 ) ، و " صفة
الصفوة " ( 2 / 265 ) ، و " النجوم الزاهرة " ( 4 / 60 ) .
( 1 ) أخرجه الحاكم ( 2 / 263 ) وقال الذهبي : عبد الملك متروك هالك .
( 2 ) الصقع : ناحية الأرض والبيت . . وفلان من أهل هذا الصقع ، أي من أهل هذه الناحية .
ينظر : " لسان العرب " ( 2472 ) .
( 3 ) ذهب الفراء إلى أنها مع " بئس " شئ واحد ركب تركيب " حبذا " ، نقله ابن عطية ، ونقل عنه المهدوي أنه
يجوز أن تكون " ما " مع بئس بمنزلة كلما ، فظاهر هذين النقلين أنها لا محل لها . وذهب الجمهور إلى أن
لها محلا ، ثم اختلفوا : محلها رفع أو نصب ؟ فذهب الأخفش إلى أنها في محل نصب على التمييز
والجملة بعدها في محل نصب صفة لها ، وفاعل بئس مضمر تفسره " ما " ، والمخصوص بالذم هو قوله :
" أن يكفروا " لأنه في تأويل مصدر ، والتقدير : بئس هو شيئا اشتروا به كفرهم ، وفيه قال الفارسي في أحد
قوليه ، واختاره الزمخشري ، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذم محذوفا ، و " اشتروا " صفة له
في محل رفع تقديره : بئس شيئا شئ أو كفر اشتروا به ، كقوله : [ الطويل ]
لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل
أي : فتى أضحى ، و " أن يكفروا " بدل من ذلك المحذوف ، أو خبر مبتدأ محذوف أي : هو أن يكفروا .
وذهب الكسائي إلى أن " ما " منصوبة المحل أيضا ، لكنه قدر بعدها " ما " أخرى موصولة بمعنى الذي ،
وجعل الجملة من قوله : " اشتروا " صلتها ، و " ما " هذه الموصولة هي المخصوص بالذم ، والتقدير : بئس