من دياركم ) : معناه : ولا ينفي بعضكم بعضا بالفتنة والبغي ، وكذلك حكم كل جماعة
تخاطب بهذا اللفظ في القول .
وقوله تعالى : ( ثم أقررتم ) ، أي : خلفا بعد سلف ، أن هذا الميثاق أخذ عليكم ،
وقوله : ( وأنتم تشهدون ) قيل : الخطاب يراد به من سلف منهم ، والمعنى : وأنتم شهود ،
أي : حضور أخذ الميثاق والإقرار .
وقيل : المراد : من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى : وأنتم شهداء ، أي : بينة أن
الميثاق أخذ على أسلافكم ، فمن بعدهم منكم .
وقوله تعالى : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم . . . ) الآية : ( هؤلاء ) دالة على أن
المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف ، قيل : تقدير الكلام : / يا هؤلاء ، فحذف
حرف النداء ، ولا يحسن حذفه عند سيبويه ( 1 ) ، مع المبهمات .
وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن بن أحمد ( 2 )
هامش
( 1 ) إلى مذهب سيبويه والبصريين أشار ابن مالك بقوله : [ الرجز ]
وذاك في اسم الجنس والمشار له * قل ، ومن يمنعه فانصر عاذله
أي : ذاك التعري من حرف النداء يكون مع اسم الجنس ، واسم الإشارة - كما في الآية - قليلا ، وهو
مذهب الكوفيين ، وأما من منع الحذف معهما - وهم البصريون وسيبويه - فهم محجوجون بما روي من
أشعار العرب مما لا يمكن رده ، فمما ورده في اسم الإشارة قوله : [ الطويل ]
إذا هملت عيني لها قال صاحبي * بمثلك - هذا - لوعة وغرام
وقوله : [ البسيط ]
إن الألى وصفوا قومي لهم فبهم * هذا - أعتصم ، تلق من عاداك مخذولا
وقوله : [ الخفيف ]
ذا ، ارعواء ، فليس بعد اشتعال الر * رأس شيبا إلى الصبا من سبيل
وجعل منه قوله تعالى : ( ثم أنتم - هؤلاء - تقتلون أنفكسم ) [ البقرة : 85 ] .
واعلم أن هذا الحذف مع اسم الجنس واسم الإشارة مقيس مطرد عند الكوفيين ، وأما مذهب البصريين
وسيبويه فشاذ أو ضرورة ، كما أشار المصنف إليه بمنع سيبويه الحذف .
( 2 ) قال أبو حيان : وهو أبو الحسن عي بن أحمد بن خلف الأنصاري ، من أهل بلدنا " غرناطة " ، يعرف بابن
الباذش ، وهو والد الإمام أبي جعفر أحمد مؤلف كتاب " الإقناع " في القراءات ، وله اختيارات في النحو ،
حدث بكتاب سيبويه عن الوزير أبي بكر محمد بن هشام المصحفي ، وعلق عنه في النحو على كتاب
" الجمل " و " الإيضاح " ، ومسائل من " كتاب سيبويه " .
وقد السيوطي : وفي " تاريخ غرناطة " : أوحد في زمانه إتقانا ومعرفة ، وتفردا بعلم العربية ، ومشاركة في
غيرها . حسن الخطأ ، كبير الفضل ، مشاركا في الحديث ، عالما بأسماء رجاله ونقلته ، مع الدين والفضل