من يعصيه ، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك ، وإما على طريق
الاستعظام والإكبار للفصلين جميعا ، الاستخلاف ، والعصيان .
وقال أحمد بن يحيى / ثعلب ( 1 ) وغيره : إنما كانت الملائكة قد رأت ، وعلمت ما
كان من إفساد الجن ، وسفكهم الدماء في الأرض ، فجاء قولهم : ( أتجعل فيها . . . ) ( 2 )
الآية ، على جهة الاستفهام المحض ، هل هذا الخليفة يا ربنا على طريقة من تقدم من الجن
أم لا ؟
وقال آخرون : كان الله تعالى قد أعلم الملائكة ، أنه يخلق في الأرض خلقا
يفسدون ، ويسفكون الدماء ، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك : ( إني جاعل ) قالوا : ربنا ،
( أتجعل فيها . . . ) الآية ، على جهة الاسترشاد والاستعلام ، هل هذا الخليفة هو الذي كان
أعلمهم به سبحانه قبل ، أو غيره ؟ ونحو هذا في " مختصر الطبري " ، قال : وقولهم :
( أتجعل فيها ) ليس بإنكار لفعله عز وجل وحكمه ، بل استخبار ، هل يكون الأمر هكذا ،
وقد وجهه بعضهم بأنهم استعظموا الإفساد وسفك الدماء ، فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة
في ذلك ، إذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إلا حكمة . انتهى .
* ت * : والعقيدة أن الملائكة معصومون ، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانا من
رتبتهم ، وشريف منزلتهم - صلوات الله وسلامه على جميعهم - والسفك صب الدم ، هذا
عرفه ، وقولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ) .
قال بعض المتأولين : هو على جهة الاستفهام ، كأنهم أرادوا : ( ونحن نسبح
بحمدك . . . ) الآية ، أم نتغير عن هذه الحال ؟
قال * ع ( 3 ) * : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم : ( أتجعل ) .
وقال آخرون : معناه : التمدح ووصف حالهم ، وذلك جائز لهم ، كما قال يوسف :
( إني حفيظ عليم ) [ يوسف : 55 ] ، وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام ، لأن يستخلف الله
هامش
( 1 ) هو : أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار ، وقيل : سيار الشيباني ، المعروف بثعلب ، إمام الكوفيين في
النحو واللغة . صنف : " المصون في النحو " ، و " معاني القرآن " ، و " ما تلحن فيه العاملة " ، و " الفصيح "
وغيرها . توفي ( 291 ه ) .
ينظر ترجمته في : " وفيات الأعيان " ( 1 / 30 ) ، و " بغية الوعاة " ( 1 / 296 ) ، و " غاية النهاية " ( 1 / 148 ) .
( 2 ) ينظر : ابن عطية الأندلسي في " تفسيره " ( 1 / 117 ) .
( 3 ) ينظر : " المحرر الوجيز " ( 1 / 118 ) .