ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها بغيرها ( 1 ) .
يا هشام ! إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يقول : " إن من علامة العاقل أن
يكون فيه ثلاث خصال : يجيب إذا سئل ، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ،
ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله ، فمن لم يكن فيه من هذه
الخصال الثلاث شئ فهو أحمق " .
إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : " لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل
هامش
( 1 ) " لا دين لمن لا مروة له " المروة : الإنسانية وكمال الرجولية ، وهي الصفة الجامعة
لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب .
" ولا مروة لمن لا عقل له " لأن من لا عقل له لا يكون عارفا بما ينبغي أن يفعله
ويليق به وما لا ينبغي ولا يليق ، فربما يترك اللائق ويأتي بما لا ينبغي ، ومن كان
كذلك لا يكون ذا مروة ولا دين .
" خطرا " الخطر : الحظ والنصيب والقدر والمنزلة ، والسبق الذي يتراهن عليه .
" أما إن أبدانكم . . . " أي ما يليق أن يكون ثمنا لها ، شبه استعمال البدن في
المكتسبات الباقية ببيعها بها ، وذلك لأن الأبدان في التناقص يوما فيوما لتوجه
النفس منها إلى عالم آخر ، فإن كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا
وانقطاع حياته الدنية إلى الله سبحانه ، وإلى نعيم الجنة ، لكونه على منهج
الهداية والاستقامة فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى ، ولهذا خلقه
الله عز وجل .
وإن كانت شقية كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان
وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة ، فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية
واللذات الحيوانية التي ستصير نيرانا محرقة مؤلمة وهي اليوم كامنة مستورة عن
حواس أهل الدنيا ، وستبرز يوم القيامة * ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) * [ سورة النازعات
79 : 36 ] معاملة مع الشيطان * ( وخسر هنالك المبطلون ) * [ سورة غافر 40 : 78 ] .
وقيل : جعل الجنة ثمن البدن إشارة إلى أن ثمن النفس المجردة والأرواح
القدسية هو الله سبحانه ، والفناء المطلق فيه وفي مشاهدة نور وجهه الكريم وفي
إضافة البدن إلى ضمير الخطاب دلالة على أن النفس الناطقة التي هي الإنسان
حقيقة ، جوهر آخر وراء البدن .