يا هشام ! قليل العمل من العالم ( 1 ) مقبول مضاعف ، وكثير العمل من
أهل الهوى والجهل مردود ( 2 ) .
يا هشام ! إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض
بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم ( 3 ) .
( يا هشام ! إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك ، وإن
كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك ) ( 4 ) .
يا هشام ! إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ؟ ! وترك الدنيا
من الفضل ، وترك الذنوب من الفرض ( 5 ) .
[ يا هشام ! إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا
هامش
( 1 ) في التحف : العاقل .
( 2 ) " قليل العمل . . . " مراده ( عليه السلام ) أن قليل العمل من العالم مقبول ، وسببه أن بالعلم
صفاء القلوب ، وطهارة النفوس ، والتوصل إلى معرفة الله عز شأنه .
وفضيلة كل عمل إنما هي بقدر تأثيرها في صفاء القلب وإزالة الحجب
والظلمة عن النفس ، وهي تختلف بحسب الأشخاص ، فرب إنسان يكفيه قليل
العمل في صفاء نفسه نظرا للطافة طبعه ، ورقة حجابه ، ورب إنسان لا يؤثر العمل
الطيب الذي يصدر منه في صفاء ذاته ، نظرا لكثافة طبعه ، وكثرة الحجب على
نفسه .
( 3 ) " رضي بالدون من الدنيا " أي القليل واليسير منها ، وهو قدر البلغة .
" مع الدنيا " وإن كانت وافية ولذتها كاملة .
" ربحت تجارتهم " إذ بدلوا أمرا خسيسا فانيا بأمر شريف باق .
وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف لاختار
العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني " كيف والأمر على العكس من ذلك !
( 4 ) ما بين القوسين ليس في الكافي .
( 5 ) " تركوا فضول الدنيا " وإن كانت مباحة لأنها تمنع عن مزيد الكرامة وكمال القرب
من الله سبحانه ، فكيف الذنوب المورثة لاستحقاق المقت والعقوبة !