وبعد ذلك نجيب عن هذا التوجيه بما يلي :
أولا : إن منع الحديث بغرض المحافظة ، أشبه ما يكون بالتناقض ، كما إذا أراد
الإنسان أن يصلح أداة معينة - أصابها عطب - فيعمد إلى إبادة تلك الآلة أو تهشيمها ،
وكما إذا أراد الإنسان أن يؤدب عبدا ، فيعمد إلى قتله وإعدامه .
إن من يريد التثبت من الحديث يلزمه أن يحوطه بما لديه من إمكانات
احتياطية ، ويحدد له طرقا معينة ويشخص له موارد مأمونة ، ومراجع صالحة ، تقوم على
رعايته والمحافظة عليه ، لا أن يعمد إلى كبار الصحابة وحفاظهم للحديث فيكم
أفواههم ، ويخوفهم ، ويشدد عليهم ويستنكر رواياتهم ، ويهددهم بالإبعاد عن المدينة أو
يجبرهم على الإقامة فيها ، أليس هذا نقضا لغرض المحافظة على الحديث ؟ ! ألم يجعل
عمر - بحبس الصحابة ومنعهم من الحديث - ما عند أولئك الصحابة من أحاديث
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكتومة في صدورهم ؟ ! فلم يبثوه إلى الأمة ؟ ! ولعلها
تعرضت لعوامل النسيان وغيره ! ؟ .
أمثل هذا العمل يسمى محافظة ؟ ! أو تثبتا ؟ ! أو توقيا . ؟ ! .
أم يسمى هدرا ، وتفريطا ، وتضييعا ، وإماتة ؟ ؟ ؟ !
وثانيا : من المتفق عليه - لدى كافة العقلاء - أن كتابة العلم ، وتسجيل
المعلومات ما من أفضل وسائل الحفظ والصيانة والتثبت .
ولو كان عمر يهدف من إجراءاته تلك المحافظة على الحديث والتثبت والتوقي
فيه ، وكان يخاف من تداوله بين الناس وعدم صحته ، لكان يلجأ إلى تدوينه ، ويأمر
بتقييده ، وضبطه ، أو يشرف هو - وجمع من الصحابة الحافظين له المأمونين - على عملية
جمعه .
لكن ، نرى أنه إلى جنب منع رواية الحديث ونقله بهذه الشدة ، كان من أشد
المانعين للتدوين ، بأعذار مختلفة !
فبأي شكل كان يريد المحافظة على الحديث ؟ ! إذا هو يمنع من جهة نقله
وتداوله والمذاكرة به ، ويمنع من جهة أخرى كتابته وضبطه وتدوينه وتقييده ؟ ؟ !
مجلة تراثنا — صفحة 33
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٣٣