تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وأخلاه من بهي جواهر العقول وثريها ، ثم يقال لولاة أعلى الكلام طبقة وأمتنه ، ولأرباب آنقه طريقة وأحسنه : هاتوا بما ينحو نحوه ، وهلموا بما يحذو حذوه ، فيعترضهم الحجز ، ويتبين فيهم العجز ، فيقال قد استصرفهم الله عن أهون ما كانوا فيه ماهرين ، وأيسر ما كانوا عليه قادرين ، ألم ترهم كيف كانوا يعنقون ( 123 ) في المضمار فوقفوا ، وينهبون الحلبة بخطاهم فقطفوا ( 124 ) ، ولا يقال الله قادر على أن يأتي بما هو أفصح وأفصح ، وأملح لفظا ومعنى وأملح ، فهلا أتى بذلك المتناهي في الفصاحة والمتمادي في الملاحة ، فإن الغرض اتضاح الحجة وقد اتضحت ، وافتضاح الشبهة وقد افتضحت ، وإذا حصل الغرض فليس وراءه معترض . وأما إغفال السلف لما نحن بصدده ، وإهمالهم الدلالة على سننه ، والمشي على جدده ( 125 ) ، فلأن القوم كانوا أبناء الآخرة ، وإن نشأوا في حجر هذه الغادرة ، ديدنهم قصر الآمال ، وأخذ العلوم لتصحيح الأعمال ، وكانوا يتوخون الأهم فالأهم والأولى فالأولى والأزلف فالأزلف من مرضاة المولى ، ولأنهم كانوا مشاغيل بجر أعباء الجهاد ، معنين ( 126 ) بتقويم صفات أهل العناد ، معكوفي الهمم على نشر الأعلام لنصرة الإسلام ، فكان ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام لتعليمه وتلقينه ، وأرسل للتوقيف عليه وتبيينه ، أهم عندهم مما كانوا مطبوعين على معرفته ، مجبولين على تبين حاله وصفته ، وكان إذ ذاك البيان غضا طريا ، واللسان سليما من اللكنة بريا ، وطرق الفصاحة مسلوكة سائرة ، ومنازلها مأهولة عامرة ، وقد مهد عذرهم تعويلهم على ما شاع وتواتر ، واستفاض وتظاهر ، من عجز العرب وثبات العلم به ورسوخه في الصدور ، وبقائه في القلوب على ممر العصور .
هامش
( 123 ) يعنقون : أي يسرعون . أنظر " لسان العرب - عنق - 10 : 273 " . ( 124 ) القطاف : تقارب الخطو في سرعة ، من القطف : وهو القطع . " النهاية - قطف - 4 : 84 " . ( 125 ) الجدد : الأرض الصلبة ، وفي المثل : " من سلك الجدد أمن العثار " . " الصحاح - جدد - 2 : 452 " . ( 126 ) معنين : أي متعبين . أنظر " لسان العرب - عنن - 13 : 290 " .