مسألة - لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة اتكالا على
العزيز الرحيم ، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل ، كما تقول غلاة الصوفية في حقيقة التوكل ، فإن
إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . وقد روي أن
سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسماعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة ،
فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة ، وترك
ابنه وأمته هنالك وركب منصرفا من يومه ، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى ، فلما ولي دعا
بضمن هذه الآية .
الثانية - لما أراد الله تأسيس الحال ، وتمهيد المقام ، وخط الموضع للبيت المكرم ،
والبلد المحرم ، أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء ، وفي الصحيح : أن أبا ذر
رضي الله عنه اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة ، قال أبو ذر : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم
فسمنت حتى تكسرت عكنى ( 1 ) ، وما أجد على كبدي سخفة جوع ( 2 ) ، وذكر الحديث . وروي
الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ماء زمزم لما شرب له
إن شربته تشتفي به شفاك الله وإن شربته لشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع
ظمئك قطعه وهي هزمة ( 3 ) جبريل وسقيا الله إسماعيل " . وروي أيضا عن عكرمة قال : كان ابن عباس
إذا شرب من زمزم قال : اللهم إني أسألك علما نافعا ، ورزقا واسعا ، وشفاء من كل داء .
قال ابن العربي : وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته ، وسلمت طويته ، ولم يكن
به مكذبا ، ولا يشربه مجربا ، فإن الله مع المتوكلين ، وهو يفضح المجربين . وقال أبو عبد الله
محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي رحمه الله قال : دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من
البول ما شغلني ، فجعلت أعتصر ( 4 ) حتى آذاني ، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض
تلك الأقدام ، وذلك أيام الحج ، فذكرت هذا الحديث ، فدخلت زمزم فتضلعت ( 5 ) منه ، فذهب
عني إلى الصباح . وروي عن عبد الله بن عمرو : إن في زمزم عينا في الجنة من قبل الركن .
هامش
( 1 ) جمع عكنة : وهي ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا .
( 2 ) سخفة الجوع : رقته وهزاله .
( 3 ) هزمة جبريل : أي ضربها برجله فنبع الماء .
( 4 ) العصر : المنع والحبس .
( 5 ) تضلع : أكثر من الشرب حتى تمدد جنبه وأضلاعه .