يريد أمامي . وفي التنزيل : " كان وراءهم ملك " ( 1 ) [ الكهف : 79 ] أي أمامهم ، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة
وأبو علي قطرب وغيرهما . وقال الأخفش : هو كما يقال هذا الأمر من ورائك ، أي سوف
يأتيك ، وأنا من وراء فإن أي في طلبه وسأصل إليه . وقال النحاس في قول " من ورائه جهنم "
أي من أمامه ، وليس من الأضداد ولكنه من تواري ، أي استتر . وقال الأزهري : إن وراء
تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد ، وقاله أبو عبيدة أيضا ، واشتقاقهما مما توارى
واستتر ، فجهنم توارى ولا تظهر ، فصارت من وراء لأنها لا ترى ، حكاه ابن الأنباري وهو حسن .
قوله تعالى : ( ويسقى من ماء صديد ) أي من ماء مثل الصديد ، كما يقال للرجل
الشجاع أسد ، أي مثل الأسد ، وهو تمثيل وتشبيه . وقيل : هو ما يسيل من أجسام أهل
النار من القيح والدم . وقال محمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس : هو غسالة أهل النار ،
وذلك ماء يسيل من فروج الزناة والزواني . وقيل : هو من ماء كرهته تصد عنه ، فيكون
الصديد مأخوذا من الصد . وذكر ابن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر
عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " ويسقي من ماء صديد يتجرعه " قال :
يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه
حتى تخرج من دبره يقول الله : " وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم " [ محمد : 15 ] ( 2 ) ويقول الله : " وإن يستغيثوا
يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب " [ الكهف : 29 ] " خرجه الترمذي ، وقال : حديث غريب ،
وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله
بن بسر . ( يتجرعه ) أي يتحساه جرعا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته . ( ولا يكاد يستسيغه )
أي يبتلعه ، يقال : جرع الماء واجترعه وتجرعه بمعنى . وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا
إذا كان سلسا سهلا ، وأساغه الله إساغة . و " يكاد " صلة ، أي يسيغه بعد إبطاء ، قال
الله تعالى : " وما كادوا يفعلون " ( 4 ) [ البقرة : 71 ] أي فعلوا بعد إبطاء ، ولهذا قال : " يصهر به ما في بطونهم
والجلود " [ الحج : 20 ] فهذا يدل على الإساغة . وقال ابن عباس : يجيزه ولا يمر به ( 6 ) . ( ويأتيه الموت
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 34 .
( 2 ) راجع ج 16 ص 237 .
( 3 ) راجع ج 10 ص 39 .
( 4 ) راجع ج 1 ص 455 .
( 5 ) راجع ج 12 ص 27 .
( 6 ) كذا في الأصل ، ولعله " لا يجيزه ولا يمر به " .