الثالثة - ذهبت الكفرة - لعنهم الله - إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من
صانع ، وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار ، وقد أقروا بحدوثها ، وأنكروا محدثها ، وأنكروا
الأعراض . وقالت فرقة : بحدوث الثمار لامن صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلا ، والدليل على
أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت أخر ،
فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ،
وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به ، ولولا تخصيصه
إياه به لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده ، واستيفاء هذا في علم الكلام .
الرابعة - قوله تعالى : ( وجنات من أعناب ) قرأ الحسن " وجنات " بكسر
التاء ، على التقدير : وجعل فيها جنات ، فهو محمول على قوله : " وجعل فيها رواسي " . ويجوز
أن تكون مجرورة على الحمل على " كل " التقدير : ومن كل الثمرات ، ومن جنات . الباقون :
" جنات " بالرفع على تقدير : وبينهما جنات . ( وزروع ونخيل صنوان وغير صنوان ) بالرفع .
ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات ، أي على تقدير : وفي الأرض زرع ونخيل .
وخفضها الباقون نسقا على الأعناب ، فيكون الزرع والنخيل من الجنات ، ويجوز أن يكون
معطوفا على " كل " حسب ما تقدم في " وجنات " . وقرأ مجاهد والسلمي وغيرهما " صنوان "
بضم الصاد ، الباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وهما جمع صنو ، وهي النخلات والنخلتان ،
يجمعهن أصل واحد ، وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلا ، نظيرها قنوان ، واحدها قنو . وروى
أبو إسحاق عن البراء قال : الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق ، النحاس : وكذلك هو
في اللغة ، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان . والصنو المثل ، ومنه
قول النبي صلى الله عليه وسلم : " عم الرجل صنو أبيه " . ولا فرق فيها بين التثنية والجمع ،
ولا بالإعراب ، فتعرب نون الجمع ، وتكسر نون التثنية ، قال الشاعر :
العلم والحلم خلتا كرم * للمرء زين إذا هما اجتمعا
صنوان لا يستتم حسنهما * إلا بجمع ذا وذاك معا
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 282
مساهمون: القرطبي
ص٢٨٢