كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف ، غير أنبياء ، لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه
صفته ، ويدل على أنه حسنت حالهم الآن ، أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال ، قال معناه
ابن عباس والحسن ، ويكون قولهم : " وإن كنا لخاطئين " على هذا ، لأنهم كبروا ولم يخبروا
أباهم بما فعلوا حياء وخوفا منه . وقيل : جاهلون بما تؤول إليه العاقبة . والله أعلم .
قوله تعالى : ( قالوا أئنك لأنت يوسف ) لما دخلوا عليه فقالوا : " مسنا وأهلنا الضر "
فخضعوا له وتواضعوا رق لهم ، وعرفهم بنفسه ، فقال : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه "
فتنبهوا فقالوا : " أإنك لأنت يوسف " قاله ابن إسحاق . وقيل : إن يوسف تبسم فشبهوه
بيوسف واستفهموا . قال ابن عباس لما قال لهم : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف " الآية ،
ثم تبسم يوسف - وكان إذا تبسم كأن ثناياه اللؤلؤ المنظوم - فشبهوه بيوسف ، فقالوا له على
جهة الاستفهام : " أئنك لأنت يوسف " . وعن ابن عباس أيضا : أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع
التاج عنه ، وكان في قرنه علامة ، وكان ليعقوب مثلها شبه الشامة ، فلما قال لهم : " هل علمتم
ما فعلتم بيوسف " رفع التاج عنه فعرفوه ، فقالوا : " أئنك لأنت يوسف " . وقال ابن
عباس : كتب يعقوب إليه يطلب رد ابنه ، وفي الكتاب : من يعقوب صفي الله ابن إسحاق
ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر - أما بعد - فإنا أهل بيت بلاء ومحن ،
ابتلى الله جدي إبراهيم بنمرود وناره ، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح ، ثم ابتلاني بولد كان لي أحب
أولادي إلي حتى كف بصري من البكاء ، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا والسلام . فلما قرأ
يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله ، واقشعر جلده ، وأرخى عينيه بالبكاء ، وعيل صبره فباح
بالسر . وقرأ ابن كثير " إنك " على الخبر ، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاما كقوله :
" وتلك نعمة " ( 1 ) [ الشعراء : 22 ] . ( قال أنا يوسف ) أي أنا المظلوم والمراد قتله ، ولم يقل أنا هو تعظيما
للقصة . ( قد من الله علينا ) أي بالنجاة والملك . ( إنه من يتق ويصبر ) أي يتق الله ويصبر
على المصائب ، وعن المعاصي . ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) أي الصابرين في بلائه ،
القائمين بطاعته . وقرأ ابن كثير : " إنه من يتقي " بإثبات الياء ، والقراءة بها جائزة على أن تجعل
هامش
( 1 ) راجع ج 13 ص 93 .