المعنى حتى صار عرفا . والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين
من غير حرب ولا إيجاف . كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم . ونحو هذا
قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب . وقيل : إنهما واحد ، وفيهما الخمس ، قاله قتادة .
وقيل : الفئ عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر . والمعنى متقارب .
الثانية - هذه الآية ناسخة لأول السورة ، عند الجمهور . وقد ادعى ابن عبد البر
الاجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : " يسألونك عن الأنفال " [ الأنفال : 1 ] وأن أربعة أخماس
الغنيمة مقسومة على الغانمين ، على ما يأتي بيانه . وأن قوله : " يسألونك عن الأنفال " نزلت
في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر ، على ما تقدم أول السورة .
قلت : ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن كثير
قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال : ( لما كان يوم
بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا ) وكانوا
قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين ، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ، فقال : يا رسول الله إنك
وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا ، وقد جئت بأسيرين . فقام سعد فقال : يا رسول الله ، إنا لم يمنعنا
زيادة في الاجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون ، فإنك إن
تعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شئ . قال : وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت
" يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " [ الأنفال : 1 ] فسلموا
الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نزلت " وأعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه "
الآية . وقد قيل : إنها محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست
مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة . كذا حكاه المازري عن كثير من
أصحابنا ، رضي الله عنهم ، وأن للامام أن يخرجها عنهم . واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين .
وكان أبو عبيد يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها
عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا . ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 2
مساهمون: القرطبي
ص٢