قلت : وهذا قول عبد الرزاق في تأويل الآية ، إنهم أصحاب الحديث ، ذكره الثعلبي .
سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي
المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه السلام : ( لا يزال أهل الغرب
ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) إنهم العلماء ، قال : وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق
على الدلو الكبيرة وعلى مغرب الشمس ، ويطلق على فيضة من الدمع . فمعنى ( لا يزال
أهل الغرب ) أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين ،
الحديث . قال الله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " ( 1 ) [ فاطر : 28 ] .
قلت : وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام في صحيح مسلم : ( من يرد الله به خيرا
يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأ هم
إلى يوم القيامة ) . وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره . والله أعلم .
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار
وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ( 123 )
فيه مسألة واحدة - وهو أنه سبحانه عرفهم كيفية الجهاد وأن الابتداء بالأقرب
فالأقرب من العدو ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرب ، فلما فرغ قصد الروم
وكانوا بالشام . وقال الحسن : نزلت قبل أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين ، فهي
من التدريج الذي كان قبل الاسلام . وقال ابن زيد : المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب ،
فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " ( 2 ) [ التوبة : 29 ] . وقد روي عن ابن عمر
أن المراد بذلك الديلم . وروي عنه أنه سئل بمن يبدأ بالروم أو بالديلم ؟ فقال بالروم .
وقال الحسن : هو قتال الديلم والترك والروم . وقال قتادة : الآية على العموم في قتال الأقرب
فالأقرب ، والأدنى فالأدنى .
هامش
( 1 ) راجع ج 14 ص .
( 2 ) راجع ص 109 من هذا الجزء .