انظروا ، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر ! فأطلعه الله سبحانه على
ما في قلوبهم وما يتحدثون به ، فقال : ( احبسوا علي الركب - ثم أتاهم فقال - قلتم كذا
وكذا ) فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب ، يريدون كنا غير مجدين . وذكر الطبري عن
عبد الله بن عمر قال : رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله
صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب . والنبي
صلى الله عليه وسلم يقول : " أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " . وذكر النقاش أن
هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي بن سلول . وكذا ذكر القشيري عن ابن عمر . قال
ابن عطية : وذلك خطأ ، لأنه لم يشهد تبوك . قال القشيري : وقيل إنما قال عليه السلام
هذا لوديعة بن ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك . والخوض : الدخول
في الماء ، ثم استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذى .
الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا
أو هزلا ، وهو كيفما كان كفر ، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة . فإن
التحقيق أخو العلم والحق ، والهزل أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله :
" أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " ( 1 ) [ البقرة : 67 ] .
الثالثة - واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على
ثلاثة أقوال : لا يلزم مطلقا . يلزم مطلقا . التفرقة بين البيع وغيره . فيلزم في النكاح والطلاق ،
وهو قول الشافعي في الطلاق قولا واحدا . ولا يلزم في البيع . قال مالك في كتاب محمد : يلزم
نكاح الهازل . وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية : لا يلزم . وقال علي بن زياد : يفسخ
قبل وبعد . وللشافعي في بيع الهازل قولان . وكذلك يخرج من قول علمائنا القولان . وحكى
ابن المنذر الاجماع في أن جد الطلاق وهزله سواء . وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : إن
اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم ، وإن اختلفا غلب الجد الهزل . وروى أبو داود
والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 444