بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه ، فقدم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار .
وقال ابن جريج " ثم يبعثكم فيه " أي في المنام . ومعنى الآية : إن إمهاله تعالى للكفار
ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شئ عددا وعلمه وأثبته ، ولكن ليقضي أجلا مسمى
من رزق وحياة ، ثم يرجعون إليه فيجازيهم . وقد دل على الحشر والنشر بالبعث ، لأن النشأة
الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر .
قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى
إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( 61 ) ثم ردوا
إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ( 62 )
قوله تعالى : ( وهو قادر فوق عباده ) يعني فوقية المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة
على ما تقدم بيانه أول السورة . ( ويرسل عليكم حفظة ) أي من الملائكة . والإرسال حقيقته
إطلاق الشئ بما حمل من الرسالة ، فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا به ،
كما قال : " وإن عليكم لحافظين " ( 1 ) أي ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات .
والحفظة جمع حافظ ، مثل الكتبة والكاتب . ويقال : إنهما ملكان بالليل وملكان بالنهار ،
يكتب أحدهما الخير والآخر الشر ، وإذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين يديه والآخر وراءه ،
وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، لقوله تعالى : " عن اليمين وعن الشمال
قعيد " ( 2 ) ( الآية ) ( 3 ) ويقال : لكل إنسان خمسة من الملائكة : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ،
والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا . والله أعلم . وقال عمر بن الخطاب ( رضي الله ( 4 ) عنه ) :
ومن الناس من يعيش ( 5 ) شقيا * جاهل القلب غافل اليقظة
فإذا كان ذا وفاء ورأي * حذر الموت واتقى الحفظة
إنما الناس راحل ومقيم * فالذي بان للمقيم عظه
هامش
( 1 ) راجع ج 19 ص 245 .
( 2 ) راجع ج 17 ص 8 .
( 3 ) من ز .
( 4 ) من ز ، ع .
( 5 ) في ك : سفيها .