فالق الصبح كل يوم ، يريد الفجر . والإصباح مصدر أصبح . والمعنى : شاق الضياء عن
الظلام وكاشفه . وقال الضحاك : فالق الإصباح خالق النهار . وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين
عند أحد من النحويين . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر " فالق الإصباح " بفتح الهمزة ،
وهو جمع صبح . وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ " فلق الإصباح " على فعل ،
والهمزة مكسورة والحاء منصوبة . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وحمزة والكسائي " وجعل
الليل سكنا " بغير ألف . ونصب " الليل " حملا على معنى " فالق " في الموضعين ، لأنه
بمعنى فلق ، لأنه أمر قد كان فحمل على المعنى . وأيضا فإن بعده أفعالا ماضية وهو قوله :
" جعل لكم النجوم " . " أنزل من السماء ماء " . فحمل أول الكلام على آخره . يقوي ذلك
إجماعهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فعل ، ولم يحملوه على فاعل فيخفضوه ، قاله
مكي رحمه الله . وقال النحاس : وقد قرأ يزيد بن قطيب السكوني " جاعل الليل سكنا
والشمس والقمر حسبانا " بالخفض عطفا على اللفظ .
قلت : فيريد مكي والمهدوي وغيرهما إجماع القراء السبعة . والله أعلم . وقرأ يعقوب
في رواية رويس عنه " وجاعل الليل ساكنا " . وأهل المدينة " وجاعل الليل سكنا " أي محلا
للسكون . وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو
فيقول : " اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا أقض عني الدين
وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك " . فإن قيل : كيف قال
( وأمتعني بسمعي وبصري ) وفي كتاب النسائي والترمذي وغيرهما ( واجعله الوارث مني )
وذلك يفنى مع البدن ؟ قيل له : في الكلام تجوز ، والمعنى اللهم لا تعدمه قبلي . وقد قيل :
إن المراد بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر ، لقوله عليه السلام فيهما : ( هما السمع والبصر ) .
وهذا تأويل بعيد ، إنما المراد بهما الجارحتان . ومعنى " حسبانا " أي بحساب يتعلق به
مصالح العباد . وقال ابن عباس في قول جل وعز : " والشمس والقمر حسبانا " أي بحساب .
الأخفش : حسبان جمع حساب ، مثل شهاب وشهبان . وقال يعقوب : حسبان مصدر
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 45
مساهمون: القرطبي
ص٤٥