روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت يبكي
طويلا . الحديث . وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما علمت أن الإسلام يهدم
ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله " الحديث . قال
ابن العربي : هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخلق ، وذلك أن الكفار يقتحمون
الكفر والجرائم ، ويرتكبون المعاصي والمآثم ، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا
أبدا توبة ولا نالتهم مغفرة . فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة ، وبذل المغفرة
بالإسلام ، وهدم جميع ما تقدم ، ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين ، وأدعى إلى قبولهم
لكلمة المسلمين ، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا . وفي صحيح مسلم : أن رجلا
فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من توبة فجاء عابدا فسأل هل له من
توبة فقال : لا توبة لك فقتله فكمل به مائة ، الحديث . فانظروا إلى قول العابد : لا توبة لك ،
فلما علم أنه قد أيئسه قتله ، فعل الآيس من الرحمة . فالتنفير مفسدة للخليفة ، والتيسير
مصلحة لهم . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل
فسأل : هل لقاتل من توبة ؟ فيقول : لا توبة ، تخويفا وتحذيرا . فإذا جاءه من قتل فسأله :
هل لقاتل من توبة ؟ قال له : لك توبة ، تيسيرا وتأليفا . وقد تقدم .
الثالثة - قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم أسلم :
فلا طلاق له . وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه . وكذا من وجبت عليه هذه الأشياء ، فذلك
مغفور له . فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم أسلم أقيم عليه الحد للفرية والسرقة .
ولو زنى وأسلم ، أو اغتصب مسلمة سقط عنه الحد . وروى أشهب عن مالك أنه
قال : إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام ، من مال أو دم أو شئ . قال ابن العربي :
وهذا هو الصواب ، لما قدمناه من عموم قوله تعالى : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم
ما قد سلف " ، وقوله : ( الإسلام يهدم ما قبله ) ، وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير .
قلت : أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب .
وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد ، وإن سرق قطع . وكذلك الذمي إذا قذف
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 402
مساهمون: القرطبي
ص٤٠٢