الشيطان أدنى وسوسة . قال سعيد بن المسيب : شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من
الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا ، ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما
لصاحبه . ومعنى ( ينزغنك ) : يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل .
( فاستعذ بالله ) أي اطلب النجاة من ذلك بالله . فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه
والاستعاذة به ، ولله المثل الأعلى . فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب . وقد حكي
عن بعض السلف أنه قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟ قال : أجاهده .
قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : هذا يطول ،
أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع ؟ قال : أكابده وأرده جهدي .
قال : هذا يطول عليك ، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك .
الثانية - النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء ، قال الله تعالى : " وقل رب أعوذ بك
من همزات الشياطين ( 1 ) " وقال : " من شر الوسواس الخناس ( 2 ) " . وأصل النزغ الفساد ،
يقال : نزغ بيننا ، أي أفسد . ومنه قوله : " نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ( 3 ) " أي أفسد .
وقيل : النزغ الإغواء والإغراء ، والمعنى متقارب .
قلت : ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك
فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ) . وفيه عن عبد الله قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن
الوسوسة قال : ( تلك محض الإيمان ) . وفي حديث أبي هريرة : ( ذلك صريح الإيمان )
والصريح الخالص . وهذا ليس على ظاهره ، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان ،
لأن الإيمان اليقين ، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على
ما وقع في أنفسهم . فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه ، لصحة إيمانكم ، وعلمكم
بفسادها . فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها
هامش
( 1 ) راجع ج 12 ص 148 .
( 2 ) راجع ج 20 ص 261 .
( 3 ) راجع ج 9 ص 264 .