وقيل : هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء . وقيل : بل هي عامة لجميع
الناس ، لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي ، وأن له مدبرا وخالقا . فهذا معنى
" وأشهدهم على أنفسهم " . ومعنى ( قالوا بلى ) أي إن ذلك واجب عليهم . فلما اعترف
الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم
حجته عليهم فقال له : " فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمصيطر ( 1 ) " . ثم مكنه من الصيطرة ،
وأتاه السلطنة ، ومكن له دينه في الأرض . قال الطرطوشي ( 2 ) : إن هذا العهد يلزم البشر وإن
كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة ، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه " .
الرابعة - وقد استدل بهذه الآية من قال : إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره
في ، الميثاق الأول . ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول . وهذا القائل يقول : أطفال المشركين
في الجنة ، وهو الصحيح في الباب . وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار ، والصحيح
ما ذكرناه . وسيأتي الكلام في هذا في " الروم ( 3 ) " إن شاء الله . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة "
والحمد لله .
الخامسة - قوله تعالى : " من ظهورهم " بدل اشتمال من قوله " من بني آدم " . وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم ،
وليس لآدم في الآية ذكر بحسب
اللفظ . ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم . وإنما لم يذكر
ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه . وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره . فاستغنى عن
ذكره لقوله : " من بني آدم " . ( ذريتهم ) قرأ الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء ، وهي
تقع للواحد والجمع ، قال الله تعالى : " هب لي من لدنك ذرية طيبة ( 4 ) " فهذا للواحد ، لأنه
إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى . وأجمع القراء على التوحيد في قوله : " من ذرية آدم ( 5 ) "
ولا شئ أكثر من ذرية آدم . وقال : " وكنا ذرية من بعدهم " فهذا للجمع . وقرأ الباقون
هامش
( 1 ) راجع ج 20 ص 37 .
( 2 ) في ى " الطرلوسى " بالسين المهملة .
( 3 ) راجع ج 14 ص 24 فما بعد .
( 4 ) راجع ج 4 ص 69 فما بعد .
( 5 ) راجع ج 11 ص 120 .