يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ، ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية
مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها ! ، اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها
بين العلماء ، وقد اختلف فيها قول مالك ، فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها
في بعض المواضع ، فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها ، وهي أصل مقصود ، فكيف
يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه ! هل هذا إلا غاية الغباوة ؟
وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه .
السادسة - قوله تعالى : " وأيديكم إلى المرافق " واختلف الناس في دخول المرافق
في التحديد ، فقال قوم : نعم ، لان ما بعد " إلى " إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه ،
قاله سيبويه وغيره ، وقد مضى هذا في " البقرة " ( 1 ) مبينا . وقيل : لا يدخل المرفقان في الغسل ،
والروايتان مرويتان عن مالك ، الثانية لأشهب ، والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح ،
لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على
مرفقيه . وقد قال بعضهم : إن " إلى " بمعنى مع ، كقولهم : الذود إلى الذود إبل ( 2 ) ، أي مع
الذود ، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في " النساء " ( 3 ) ، ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف
الأصابع إلى الكتف ، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ ، فالمرفق داخل
تحت اسم اليد ، فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد ، فلما قال : " إلى " اقتطع من حد المرافق
عن الغسل ، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر ، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة
ومعنى ، قال ابن العربي : وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله
" إلى المرافق " حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيه ، ولذلك تدخل المرافق في الغسل .
قلت : وما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء
إبطه وساقه ويقول : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن
هامش
( 1 ) راجع ج 2 ص 327 .
( 2 ) هذا مثل معناه : القليل يضم إلى القليل فيصير كثيرا . والذود
القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع : وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر ، وقيل : من ثلاث إلى خمس عشرة ، وقيل
غير ذلك .
( 3 ) راجع ج 5 ص 10 .