ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي
بهذا إلا في أجلاد .
الثانية - قوله تعالى : ( أوفوا ) يقال : وفي وأوفى لغتان ! قال الله تعالى : " ومن
أوفى بعهده من الله " ( 1 ) [ التوبة : 111 ] ، وقال تعالى : " وإبراهيم الذي وفى " ( 2 ) [ النجم : 37 ] وقال الشاعر : ( 3 )
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته * كما وفى بقلاص النجم حاديها
فجمع بين اللغتين . ( بالعقود ) العقود الربوط ، واحدها عقد ، يقال : عقدت العهد والحبل ،
وعقدت العسل ( 4 ) فهو يستعمل في المعاني والأجسام ، قال الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا ( 5 )
فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود ، قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء
على نفسه ، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير
وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ، وكذلك ما عقده
على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من
طاعات ملة الاسلام . وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة ، قال ابن العربي .
ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب ، لقوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا
الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه " [ آل عمران : 187 ] ( 6 ) . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت .
وقيل : هي عامة وهو الصحيح ، فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ، لان بينهم وبين
الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ( 7 ) فإنهم مأمورون بذلك
في قوله : " أوفوا بالعقود " وغير موضع . قال ابن عباس : " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل
وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ، وكذلك قال مجاهد وغيره . وقال ابن شهاب :
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 266 ( 2 ) راجع ج 17 ص 112 ( 3 ) هو طفيل الغنوي وقلاص النجم :
هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب .
( 4 ) كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن
القرطبي : عقدت الغل .
( 5 ) العناج : خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها : والكرب الحبل الذي
يشد على الدلو بعد المنين ، وهو الحبل الأول : فإذا انقطع المنين بقي الكرب . وقيل : غير هذا . وهذه أمثال ضربها
الحطيئة لايفائهم بالعهد .
( 6 ) راجع ج 4 ص 304 ( 7 ) في ز : ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي حاشية الجمل عن القرطبي : وهم من أمة محمد . الخ . قلت : يعني أمة غير الإجابة . مصححه .