الثالثة - وهو اسم جنس ، والمراد الأشهر الثلاثة ( 1 ) بإجماع من العرب ، فقرر الله
في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أي نفسا - ولا يطلبون فيها دما
ولا يتوقعون فيها ثأرا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه . واقتطعوا فيها
ثلث الزمان . ووصلوا منها ثلاثة متوالية ، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الامن والاستراحة ،
وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام ، وهو شهر رجب الأصم ويسمى مضر ،
وإنما قيل له : [ رجب ] ( 2 ) الأصم ، لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد ، ويسمى منصل
الأسنة ، لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح ، وهو شهر قريش ، وله يقول عوف
ابن الأحوص :
وشهر بني أمية والهدايا * إذا سيقت مضرجها الدماء
وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله ، أي شهر آل الله ، وكان يقال لأهله الحرم : آل الله .
ويحتمل أن يريد شهر الله ، لان الله متنه ( 3 ) وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه . وسيأتي
في " براءة " ( 4 ) أسماء الشهور إن شاء الله . ثم يسر لهم الالهام ، وشرع ( 5 ) على ألسنة الرسل الكرام
الهدي والقلائد ، وهي :
الرابعة - فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما ، أو علقوا عليه نعلا ، أو فعل ذلك الرجل
بنفسه من التقليد - على ما تقدم بيانه أول السورة - لم يروعه أحد حيث لقيه ، وكان
الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالاسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام ،
فانتظم الدين في سلكه ، وعاد الحق إلى نصابه ، فأسندت الإمامة إليه ، وانبنى وجوبها على
الخلق عليه وهو قوله سبحانه : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
في الأرض " ( 6 ) [ النور : 55 ] الآية . وقد مضى في " البقرة " ( 7 ) أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها .
الخامسة - قوله تعالى : ( ذلك لتعلموا ) " ذلك " إشارة إلى جعل الله هذه الأمور
قياما ، والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ، ويعلم
مصالحكم أيها الناس قبل وبعد ، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم .
هامش
( 1 ) كذا في الأصول وصوابه : الأربعة .
( 2 ) من ب وج وك وه وع .
( 3 ) في ب وج وك وه
وز : سنه .
( 4 ) راجع ج 8 ص 132 فما بعدها .
( 5 ) في ب وج وك وه وز : أو شرعا .
أي يسر إلهاما أو شرعا . الخ .
( 6 ) راجع ج 12 ص 297 .
( 7 ) راجع ج 1 ص 263 فما بعدها .