الرابعة عشرة - ما يجزي من الصيد شيئان : دواب وطير ، فيجزى ما كان من
الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ، ففي النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش
بقرة ، وفي الظبي شاة ، وبه قال الشافعي . وأقل ما يجزي عند مالك ما استيسر من الهدي
وكان أضحية ، وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه ، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام
أو صيام . وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة ، فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك .
والدبسي ( 1 ) والفواخت والقمري وذوات الأطواق كله حمام . وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أن
في حمام مكة وفراخها شاة ، قال : وكذلك حمام الحرم ، قال : وفي حمام الحل حكومة . وقال
أبو حنيفة : إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة ، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه ،
أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله ، فيشتري بتلك القيمة هديا
إن شاء ، أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر ، أو صاعا من
شعير ، أو صاعا من تمر . وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما في المتلفات
يقوم المثل ، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشئ ، فإن المثل هو الأصل في الوجوب ، وهذا بين
وعليه تخرج قراءة الإضافة ( فجزاء مثل ) . احتج أبو حنيفة فقال : لو كان الشبه من طريق
الخلقة معتبرا ، في النعامة بدنة ، وفي الحمار بقرة ، وفي الظبي شاة ، لما أوقفه على عدلين
يحكمان به ، لان ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر ، وإنما يفتقر إلى العدول والنظر
ما تشكل الحال فيه ، ويضطرب وجه النظر عليه . ودليلنا عليه قول الله تعالى : " فجزاء مثل
ما قتل من النعم " الآية . فالمثل يقتضى بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعنى ، ثم قال :
" من النعم " فبين جنس المثل ، ثم قال : " يحكم به ذوا عدل منكم " وهذا ضمير راجع إلى مثل
من النعم ، لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه ، ثم قال : " هديا بالغ الكعبة " والذي
يتصور فيه الهدي مثل المقتول من النعم ، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ، ولا جرى
لها ذكر في نفس الآية ، فصح ما ذكرناه . والحمد لله . وقولهم : لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه
على عدلين ، فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر ،
وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص .
هامش
( 1 ) الدبسي : نوع من الفواخت .