لقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( 1 ) [ البقرة : 194 ] . وروى أبو داود
عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة ( 2 ) لي ثمن ثلاثين درهما ، فجاء رجل
فاختلسها مني ، فأخذ الرجل فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع ، قال : فأتيته
فقلت أتقطع من أجل ثلاثين درهما ؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها ، قال : ( فهلا كان هذا قبل
أن تأتيني به ) ؟ . ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ،
ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا ، وبقيت الأطماع متعلقة بها ،
والآمال محومة عليها ، فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق ، ويكفها الصون والحرز عن
أكثرهم ، فإذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الامكان
للانسان ، فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة ، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك
وجب الضمان والأدب .
الرابعة - فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه ، فلا يخلو ، إما أن
يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه ، أولا إلا بتعاونهم ، فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا
على قولين : أحدهما يقطع فيه ، والثاني لا يقطع فيه ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، قالا :
لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب ، لقوله
[ صلى الله عليه وسلم ] ( 3 ) : ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) وكل واحد من
هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم . ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الاشتراك
في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في القتل ، قال ابن العربي : وما أقرب ما بينهما
فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء ، لئلا يتعاون على سفكها الأعداء ، فكذلك
في الأموال مثله ، لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل
قطعوا ولا فرق بينهما . وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع
جميعهم بالاتفاق من العلماء ، ذكره ابن العربي .
هامش
( 1 ) راجع ج 2 ص 354 .
( 2 ) الخميصة : ثوب خزا وصوف معلم ، وقيل : لا تسمى خميصة إلا أن تكون
سوداء معلمة .
( 3 ) من ع وج .